لماذا أكتب اليوم، رغم أنّي أكتب قليلاً؟ السؤال يبدو متناقضاً، لكنّ الإجابة عنه هي مفتاح هذا المقال — ومفتاح هذه المدوّنة كلّها.
أكتب اليوم لأنّي أريد أن تتحوّل الكتابة عندي إلى عادة، لا حالة. الحالة شيءٌ ينتظر إلهاماً، أو ظرفاً، أو مزاجاً. والعادة شيءٌ تفعله سواء جاءك الإلهام أم لا. وفي العادة، يصير الإنسان ما يفعله. أمّا في الحالة، فيظلّ ينتظر أن يصير شيئاً.
عن وهم الإلهام
كثيرٌ منّا يظنّ أنّ الكتّاب الكبار جلسوا أمام أوراقهم البيضاء فهبط عليهم الإلهام، فكتبوا روائعهم. وهذا — في الحقيقة — وهمٌ كبير. حين تقرأ سِيَر الكتّاب، تجد القاسم المشترك بينهم ليس موهبةً نادرة، بل انضباطاً يوميّاً ممِلّاً.
هاروكي موراكامي يستيقظ كلّ يومٍ في الرابعة فجراً ويكتب ستّ ساعات. ستيفن كنغ يفرض على نفسه ألفي كلمة يوميّاً. والكاتب العربي الكبير عبد الرحمن منيف كان يكتب في الفنادق بمواعيد ثابتة. لم يكن أيٌّ منهم ينتظر الإلهام، لأنّهم كانوا يعرفون أنّ الإلهام يأتي للعاملين، لا للجالسين.
الإلهام ليس طائراً ينتظر أن يحطّ على كتفك. هو نتيجةٌ جانبيّةٌ للعمل المنتظم. اعمل أوّلاً، ودَع الإلهام يلحق بك.
لماذا أَختار الكتابة تحديداً؟
أحدهم سألني: لماذا الكتابة؟ ألا تستطيع تسجيل صوتيّاً، أو إنتاج فيديوهات؟ كلّ هذه الخيارات أسهل وأوسع انتشاراً.
إجابتي البسيطة: الكتابة تُجبرك على التفكير. حين تتحدّث، تستطيع أن تتسلّل بكلامٍ غامض. وحين تُصوّر فيديو، يمكنك أن تَخفي الفراغ بحركةٍ أو موسيقى. أمّا حين تكتب، فلا يوجد ما تَختبئ خلفه. الورقة البيضاء لا تَكذب. إن لم تكن فكرتك واضحة، ستَظهر مضطربةً على الورق.
لذلك أرى الكتابة أداةً لتنظيم العقل، قبل أن تكون أداةً لإيصال الفكرة. أكتب لأفهم ما أُفكّر فيه، لا فقط لأُعبّر عمّا فهمت. وكثيراً ما أَكتشف وأنا أكتب، أنّ ما ظننتُه فكرةً واضحة هو في الحقيقة ثلاث أفكارٍ متناقضة لم أكن قد فصلتها في رأسي.
وعدٌ صغير لنفسي
هذه المدوّنة ليست مشروعاً تجاريّاً، ولا منصّةً لاستعراض رأي، ولا بحثاً عن جمهور. هي تمرينٌ شخصيٌّ معلَن على تحويل الكتابة من حالةٍ إلى عادة. أُعلنه لأنّ الإعلان يُضيف ضغطاً صحّيّاً — حين تَعلَم أنّ هناك من يقرأ، يصعب عليك أن تكسل.
لن أَعِد بكثرة. لن أَعِد بانتظامٍ يوميّ. لكنّي أَعِد — لنفسي قبل من يقرأ — بأنّ هذه المدوّنة لن تموت بعد ثلاث تدويناتٍ كما تموت أكثر المدوّنات. سأكتب حتى لو لم يقرأ أحد. لأنّ الكتابة لا تستحقّ القراءة إلا حين تَستحقّ صاحبها أوّلاً.
وبعد سنين، حين أعود لهذه السطور، أتمنّى أن أَجد قد كَتَبتُ كثيراً، وأنّ هذا المقال الأوّل صار صغيراً بجانب ما أُنتج. وإن لم يَحصُل ذلك، فعلى الأقلّ سأذكر أنّي حاولت.

