ثمة حروب لا تبدأ بإعلان رسمي، ولا تحتاج إلى أن تتحرك الجيوش أو تعبر الطائرات الحدود حتى نشعر باقترابها. يكفي أن تتصاعد التصريحات، وتتلاحق التهديدات، وتتحول نشرات الأخبار إلى عد تنازلي لمواجهة محتملة، حتى يصبح العالم بأسره أسير حرب لم تبدأ بعد. وربما كانت هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في عالمنا المعاصر،
لم يعد الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى ممارسي التواصل المؤسسي والعلاقات العامة مجرد أداة تقنية إضافية، بل أصبح عاملاً يعيد تشكيل طبيعة المهنة نفسها. فالممارس الذي كان يُقاس أداؤه بقدرته على صياغة الرسائل، وبناء العلاقات، وإدارة السمعة، بات مطالباً اليوم أيضاً بفهم أدوات التوليد والتحليل والأتمتة، وبالتمييز بين ما يسرّع العمل وما يهدد مصداقيته. ولهذا تبدو المعادلة الجديدة في قطاع التواصل واضحة: كلما اتسعت فرص الابتكار، تعاظمت في المقابل مسؤولية ضبط الموثوقية والشفافية والحوكمة. وتشير تقارير مهنية حديثة إلى أن مشهد الاتصال في 2025 و2026 يتشكل تحت ضغط مزدوج: أزمة ثقة أوسع في البيئة العامة، وتسارع كبير في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.
ثمة كتب تقرؤها لتتعلم منها، وكتب تقرؤها لتستمتع بلغتها، وأخرى تعود إليها لما تتركه في نفسك من أثر. لكن الكتب التي تجمع هذه الخصال جميعا ليست كثيرة، ومن بينها كتاب «الداء والدواء» المعروف أيضا باسم «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» للإمام ابن قيم الجوزية، أحد أعلام الفكر الإسلامي في القرن الثامن الهجري، الذي استطاع أن يقدم نموذجا بديعا لما يمكن أن تكون عليه الكتابة في العلوم الشرعية، عندما تجتمع المعرفة العميقة مع البيان الرفيع، والاستدلال العقلي مع القصص المؤثرة، وتتحول الأحكام والمواعظ من نصوص تقريرية إلى خطاب حي يخاطب العقل والوجدان معا.
تخيل أن فكرة خطرت ببالك ذات مساء، ثم نسيتها مع انشغالات الحياة، كانت كفيلة بتغيير حياة شخص، أو تأسيس مشروع ناجح، أو تقديم حل لمشكلة طال انتظارها. كم من الأفكار التي لم تر النور، ليس لأنها تفتقر إلى القيمة، بل لأن أصحابها لم يجدوا الوقت أو الإمكانات لتنفيذها؟ وكم من الفرص التي ربما أضعناها لأننا اعتقدنا أن من يفكر في الفكرة يجب أن يكون هو من يحققها؟
من بين عشرات الإعلانات والأعمال الإبداعية التي تتسابق المؤسسات على تقديمها في المناسبات الوطنية، تستوقفني أحيانا أعمال لا تعتمد على ضخامة الإنتاج وحدها، وإنما على قدرتها على اختزال فكرة كبيرة في رسالة بسيطة، ثم تحويل تلك الرسالة إلى تجربة شعورية تبقى في ذاكرة المتلقي. وهذا ما وجدته في الفيديو الترويجي الذي قدمته حديقة الملك سلمان بعنوان «موطن حي في وطن حي»، بالتزامن مع اليوم الوطني السعودي، والذي أراه واحدا من الأعمال التي تستحق التأمل من زاوية التسويق والاتصال المؤسسي وصناعة الصورة الذهنية.
منذ سنوات وأنا أتابع تطورات الذكاء الاصطناعي باهتمام وشغف، وأحرص على تجربة أدواته وتطبيقاته المختلفة، حتى أصبح جزءا من أعمالي اليومية في البحث والكتابة والتحليل وتطوير المنتجات الرقمية. لكن مع كل تقدم تحققه هذه التكنولوجيا، يزداد اقتناعي بأننا ما زلنا في بداية الطريق، وأن معظم استخداماتنا الحالية لا تتجاوز الاستفادة من قدرة الآلة على الإجابة عن الأسئلة وتنفيذ الأوامر المباشرة. وهي قدرات مدهشة بلا شك، لكنها لا تمثل بالضرورة ما أطمح إلى الوصول إليه.
في كل مرة تتعرض فيها المملكة العربية السعودية لاعتداء يستهدف أمنها واستقرارها، ندرك حجم المسؤولية التي تتحملها بلادنا في حماية أرضها ومواطنيها والمقيمين على ترابها. لكن الأمر يأخذ بعدا مختلفا عندما تمتد مخاطر الصواريخ الباليستية إلى مكة المكرمة، المدينة التي تتجه إليها قلوب المسلمين قبل وجوههم خمس مرات في اليوم، والتي تتجاوز مكانتها حدود الجغرافيا وحسابات السياسة والصراعات العسكرية.
كلما ظهرت تقنية جديدة قادرة على أداء أعمال اعتدنا أن يقوم بها البشر، عاد السؤال القديم بصيغة مختلفة: ماذا سيحدث لو لم تعد المؤسسات بحاجة إلى العدد نفسه من الموظفين؟ حدث ذلك مع الثورة الصناعية، ثم الحواسيب والإنترنت، وها نحن نواجه اليوم تحولا قد يكون أعمق من سابقاته، لأن الذكاء الاصطناعي لا ينافس الإنسان في قدرته الجسدية أو سرعة إنجاز الأعمال المتكررة فحسب، بل أصبح يشاركه في الكتابة والتحليل والتصميم والبرمجة واتخاذ بعض القرارات. وللمرة الأولى، يجد أصحاب المهن المعرفية أنفسهم أمام تقنية تستطيع إنجاز جزء معتبر مما كانوا يعدونه اختصاصا بشريا يصعب الاستغناء عنه.