لهذا لم يعد عيد الميلاد بالنسبة لي مجرد مناسبة للاحتفال بعام جديد، بل أصبح محطة للتأمل والمراجعة. لا أسأل نفسي فيها فقط: كم أصبح عمري؟ بل: ماذا تعلمت من العمر الذي مضى؟ وما الذي تغير في نظرتي إلى الحياة؟ وما الأشياء التي كنت سأفعلها بطريقة مختلفة لو عاد بي الزمن؟ وما الذي يستحق أن أحمله معي إلى السنوات القادمة؟
ربما كان أول ما علمتني إياه الحياة أن الوقت هو رأس المال الحقيقي للإنسان. يمكن للمرء أن يعوض مالا خسره، وأن يبدأ مشروعا جديدا، وأن ينتقل إلى وظيفة أخرى، وأن يصنع فرصا بديلة، لكن الساعة التي مضت لا تعود. في بدايات العمر نتعامل مع الوقت وكأنه مورد لا ينتهي، فنؤجل أشياء كثيرة تحت عنوان "لاحقا". نؤجل السفر، والقراءة، واللقاءات، والراحة، والحديث مع من نحب، ثم نكتشف مع مرور السنوات أن "لاحقا" ليست كلمة مضمونة كما كنا نظن.
وتعلمت أيضا أن النجاح ليس محطة نصل إليها ثم ينتهي كل شيء. كثيرا ما نتصور أن هناك هدفا واحدا، أو وظيفة، أو شهادة، أو منصبا، إذا وصلنا إليه شعرنا بالاكتمال. لكن الواقع مختلف. كل إنجاز نصل إليه يصبح بعد فترة جزءا عاديا من حياتنا، ونبدأ من جديد في البحث عن معنى آخر. ومع الوقت أصبحت أرى النجاح بصورة مختلفة؛ أقل ارتباطا بما يكتب بجانب اسم الإنسان، وأكثر ارتباطا بما يتركه خلفه. ما الذي غيره؟ من الذي ساعده؟ ما الذي بناه؟ وما الأثر الذي يبقى عندما يغادر المكان؟
ومع هذا الفهم، بدأت أتعلم أن العمل مهم جدا، لكنه ليس الحياة كلها. من السهل على الإنسان الطموح أن يجعل العمل مركز كل شيء: مشروع يتبعه مشروع، واجتماع يتبعه اجتماع، وهدف يتبعه هدف، حتى تمر السنوات وكأنها سلسلة من الملفات والمهام. لكن حين ننظر إلى الوراء، لا تبقى في الذاكرة التقارير وحدها ولا الاجتماعات، بل تبقى أيضا لحظات بسيطة جدا: رحلة، حديث طويل مع صديق، جلسة عائلية، كتاب غيّر فكرة، أو يوم هادئ لم يحدث فيه شيء كبير لكنه بقي جميلا في الذاكرة.
وتعلمت أن الصحة ليست بندا هامشيا في الحياة. حين يكون الإنسان بصحة جيدة يظنها شيئا طبيعيا لا يحتاج إلى كثير من التفكير، ثم يدرك لاحقا أنها الأساس الذي يقوم عليه كل شيء آخر. لا قيمة كبيرة للإنجاز إن جاء على حساب الجسد، ولا للمال إن لم يستطع صاحبه أن يستمتع به، ولا للوقت إن لم نملك الطاقة لنعيشه. لذلك أصبحت أرى الاهتمام بالصحة والنوم والحركة والراحة جزءا من إدارة الحياة لا ترفا فيها.
ومن أكثر ما رسخته السنوات في داخلي أن الناس أهم مما نظن. كثير من التفاصيل التي تبقى معنا في النهاية ترتبط بأشخاص لا بأشياء. معلم قال كلمة بقيت معنا سنوات، مدير منحنا فرصة، صديق وقف معنا في ظرف صعب، قريب كان وجوده وحده كافيا ليجعل الحياة أكثر طمأنينة. لذلك أصبحت أكثر اقتناعا بأن الإنسان لا ينبغي أن يكون بخيلا بالشكر، ولا بالكلمة الطيبة، ولا بالاعتذار، ولا بالتعبير عن الامتنان. أحيانا جملة واحدة بسيطة قد تبقى في ذاكرة الآخر عمرا كاملا.
ومع الوقت، تعلمت كذلك أن ليس كل خلاف يستحق معركة. في مرحلة من العمر قد نعتقد أن علينا أن نثبت وجهة نظرنا في كل نقاش، وأن نصحح كل ما نراه خطأ، وأن ننتصر في كل اختلاف. لكن السنوات تعلمنا أن بعض الانتصارات الحقيقية تكون في عدم الدخول إلى المعركة أصلا. هناك نقاشات لا تغير شيئا، وأشخاص لن يقتنعوا مهما شرحت، ومواقف لا تستحق أن تهدر فيها شيئا من سلامك الداخلي. وأعتقد أن اختيار المعارك أحد أهم أشكال النضج.
كما تعلمت أن تغيير الرأي ليس ضعفا، بل علامة على أن الإنسان ما زال يتعلم. هناك قناعات كنت أراها يوما بوضوح كامل، ثم أصبحت مع الزمن أكثر تعقيدا. وأمور كنت أرفضها ثم فهمت أسبابها، وأفكار كنت أقبلها بسهولة ثم أصبحت أكثر نقدا تجاهها. ليس من المنطقي أن نعرف أكثر ونصر على التفكير بالطريقة نفسها. الحياة نفسها تعيد تشكيلنا إذا سمحنا لها بذلك.
وربما لهذا أصبحت المعرفة بالنسبة لي رحلة لا تنتهي. كلما قرأت أكثر، أدركت حجم ما لا أعرفه. وكلما اتسعت التجربة، أصبح اليقين أقل سهولة. الكتاب الجيد قد يوفر سنوات من التجربة، وسيرة إنسان عاش قبلك قد تجيب عن سؤال ظننته خاصا بك، وفكرة واحدة قد تغير الطريقة التي تنظر بها إلى عملك أو مستقبلك أو حتى إلى نفسك. القراءة لا تمنح الإنسان أجوبة فقط، بل تعلمه كيف يسأل أسئلة أفضل.
ومن الدروس التي لا تقل أهمية أن الحياة لا تسير دائما وفق الخطة. نرسم لأنفسنا مسارات واضحة، ثم تأخذنا الحياة إلى طرق لم نضعها في حسابنا. بعض الأبواب التي أغلقت أمامنا اكتشفنا لاحقا أنها دفعتنا إلى أبواب أفضل، وبعض الفرص التي غيرت حياتنا لم نكن نبحث عنها أصلا. هذا لا يعني أن نتوقف عن التخطيط، بل أن نخطط بجدية ونبقى مرنين تجاه الجزء الذي لا نملكه.
ومع مرور الأعوام، أصبح الامتنان أكثر حضورا في نظرتي إلى الحياة. نحن بطبيعتنا نرى ما ينقصنا أكثر مما نرى ما لدينا. ننظر إلى الهدف التالي، والمنصب التالي، والمشروع القادم، والفرصة التي لم نحصل عليها، وننسى أحيانا أن أشياء عظيمة جدا تحيط بنا وكأنها عادية: الأهل، والصحة، والأصدقاء، والأمن، والعمل، والقدرة على التعلم، وأن نستيقظ كل صباح ولنا فرصة أخرى لنحاول.
لهذا، عندما يأتي الخامس والعشرون من سبتمبر، لا أشعر بحاجة كبيرة إلى عد السنوات بقدر حاجتي إلى فهمها. أسأل نفسي: هل أصبحت إنسانا أفضل؟ هل تعلمت شيئا يستحق؟ هل كنت قريبا ممن أحب؟ هل صنعت أثرا نافعا؟ هل عشت الطريق، أم كنت منشغلا دائما بالوصول إلى نهايته؟
لا أملك إجابات مثالية عن هذه الأسئلة، ولا أظن أن أحدا يصل إلى مرحلة يفهم فيها الحياة بالكامل. وربما هذا هو جمالها؛ أننا نتعلمها ونحن نعيشها. لكنني أعرف أن السنوات جعلتني أقل انبهارا بالأشياء التي تبدو كبيرة من الخارج، وأكثر تقديرا للأشياء البسيطة التي تمنح الحياة معناها الحقيقي: الوقت، والصحة، والأهل، والمعرفة، والصديق الصادق، والعمل الذي يحمل معنى، والطمأنينة التي تأتي حين يعرف الإنسان أنه حاول أن يعيش حياته كما ينبغي.
وفي الخامس والعشرين من سبتمبر، أحمد الله على ما مضى كله؛ على الجميل والصعب، على النجاح والدروس، على من عبروا حياتي وعلى من ما زالوا فيها، وعلى الفرص التي جاءت، والأبواب التي أغلقت، والطرق التي تغيرت.
وأستقبل عاما جديدا لا بكثير من الأمنيات، بل بأمنية واحدة تختصر أشياء كثيرة:
أن تكون السنوات القادمة أكثر حياة، لا مجرد سنوات أكثر.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.