ثمة مفارقة في عالم الإدارة الحديثة، فكلما تطورت أدوات التخطيط الاستراتيجي، وتعددت النماذج التحليلية ومؤشرات الأداء، ابتعد بعض القادة عن ممارسة دورهم الحقيقي في صناعة الاستراتيجية. أصبحت المؤسسات تمتلك خططا أكثر تفصيلا، ولوحات قياس أكثر تعقيدا، لكنها لا تمتلك بالضرورة إجابات واضحة عن الأسئلة التي تحدد مستقبلها. ماذا نريد أن نكون؟ ولماذا نوجد؟ وما القيمة التي نقدمها ولا يستطيع الآخرون تقديمها بالطريقة نفسها؟
ثمة كتب تقرؤها لتتعلم منها، وكتب تقرؤها لتستمتع بلغتها، وأخرى تعود إليها لما تتركه في نفسك من أثر. لكن الكتب التي تجمع هذه الخصال جميعا ليست كثيرة، ومن بينها كتاب «الداء والدواء» المعروف أيضا باسم «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» للإمام ابن قيم الجوزية، أحد أعلام الفكر الإسلامي في القرن الثامن الهجري، الذي استطاع أن يقدم نموذجا بديعا لما يمكن أن تكون عليه الكتابة في العلوم الشرعية، عندما تجتمع المعرفة العميقة مع البيان الرفيع، والاستدلال العقلي مع القصص المؤثرة، وتتحول الأحكام والمواعظ من نصوص تقريرية إلى خطاب حي يخاطب العقل والوجدان معا.
لا أذكر متى بدأ شغفي بالأعمال الموسوعية تحديدا، لكنني أتذكر جيدا «الموسوعة العلمية الميسرة» التي قرأتها في طفولتي، وكيف كانت تفتح أمامي أبوابا لعوالم لم أكن أعرف عنها شيئا. فقد كانت الموسوعات آنذاك نافذتنا الواسعة على المعرفة، ننتقل بين صفحاتها من موضوع إلى آخر، وربما بدأنا بالبحث عن معلومة واحدة لنجد أنفسنا بعد ساعات وقد اكتشفنا عشرات الموضوعات التي لم نكن نعرف أننا نجهلها.
من الكتب التي وجدت في قراءتها متعة خاصة كتاب «سير الملوك»، المعروف أيضا باسم «سياست نامه»، للوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي. ولم يقتصر إعجابي على محتوى الكتاب، بل امتد إلى شخصية مؤلفه، حتى وجدت نفسي أبحث في سيرته ونجاحاته السياسية والإدارية، والمرحلة التاريخية الاستثنائية التي عاشها.
لطالما أثار اهتمامي ذلك الفارق بين من يتولى موقعا قياديا بحكم منصبه، ومن ينجح فعلا في قيادة الآخرين والتأثير فيهم. فكثيرا ما نشاهد أشخاصا يمتلكون الصلاحيات والموارد والفرق المؤهلة، ومع ذلك يعجزون عن تحقيق النتائج، بينما يستطيع آخرون، بإمكانات أقل، بناء فرق استثنائية وتحقيق إنجازات تتجاوز التوقعات. فما الذي يصنع هذا الفارق؟ وهل القيادة موهبة فطرية، أم مهارة يمكن تعلمها وتطويرها؟
من الطريف أنني قرأت كتاب «جبلنا الجليدي يذوب» لجون كوتر وهولجر راثجيبر خلال انتظاري في طابور خدمة السيارات (Drive-through) قبل سنوات. لم أكن أتوقع أن يكون بهذه الخفة وسرعة الاستيعاب، فقد وجدت نفسي أتنقل بين صفحاته بسهولة، مستمتعا بقصة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أفكارا مهمة عن القيادة وإدارة التغيير.
لدي اهتمام قديم بالأعمال الموسوعية. يعجبني ذلك النوع من الكتب والمشروعات التي لا تقدم معلومة منفردة بقدر ما تجمع معرفة متفرقة، وتنظمها، وتختصر الطريق على القارئ. وربما يستحق هذا الاهتمام مني مقالة مستقلة يومًا ما، لأنني أؤمن أن أحد أهم أدوار المعرفة ليس فقط أن تضيف لنا معلومات جديدة، بل أن توفر علينا سنوات من البحث والتجربة.
حين يحمل كتاب عنوان Marketing Management، فإن الترجمة الدقيقة لمعناه لا ينبغي أن تختزله في كلمة «التسويق» وحدها، فهو ليس كتابا عن الإعلانات أو الحملات أو مهارات البيع، بل عن إدارة التسويق بوصفها وظيفة استراتيجية متكاملة داخل المؤسسة. وهذا فرق جوهري؛ فالتسويق نشاط، أما إدارة التسويق فهي منظومة تبدأ بفهم السوق والعميل، وتمر بصناعة القيمة وبناء العلامة التجارية، وتنتهي بالقياس واتخاذ القرارات وتحقيق النمو المستدام.