اطلعت قبل فترة على مقطع فيديو يوثق تجربة رائعة لمشروع «البيضاء» في منطقة مكة المكرمة، الذي نجح في تحقيق نتائج مشجعة لاستعادة الغطاء النباتي وتحسين التوازن البيئي، من خلال فكرة بسيطة تستحق أن نتوقف عندها: إبطاء جريان مياه الأمطار ومنح الأرض فرصة أكبر للاستفادة منها قبل أن تتجه نحو البحر.
ما الذي يجعلنا نعرف أننا في جدة أو الرياض أو الأحساء أو أبها، إذا كانت أسماء الأحياء تتكرر في كل مدينة؟ الربيع، والورود، والنرجس، والياسمين، والزهور، وغيرها من الأسماء الجميلة في ذاتها، لكنها لا تقول لنا شيئا عن المكان الذي نحيا فيه، ولا عن تاريخه وثقافته وذاكرته. أسماء يمكن نقلها من مدينة إلى أخرى دون أن يشعر أحد بأن شيئا قد تغير.
لكل مدينة ذاكرة لا نراها، ولكل شارع حكايات لا نعرفها، وخلف واجهات المباني القديمة تختبئ قصص أناس عاشوا هنا، وأحداث مرت، وتفاصيل صنعت هوية المكان. لكن هذه الذاكرة تتلاشى تدريجيا مع رحيل الأجيال وتغير ملامح المدن، حتى نجد أنفسنا نسير في شوارع نعرف أسماءها، لكننا نجهل تاريخها وما شهدته من حياة.
طوال ما يقارب ثلاثة عقود، اعتدنا أن نبدأ رحلتنا نحو المعرفة من مستطيل صغير نكتب فيه ما نريد، ثم نضغط زر البحث، لنجد أمامنا قائمة من الروابط التي يفترض أن تقودنا إلى الإجابة. كانت تلك الطريقة واحدة من أعظم التحولات التي شهدها تاريخ الإنترنت، حتى أصبح البحث فعلا يوميا نمارسه دون تفكير. لكنني أعتقد أننا نعيش اليوم بداية النهاية لهذا النموذج الذي رافقنا منذ تسعينيات القرن الماضي، ليس لأننا لم نعد بحاجة إلى المعلومات، بل لأننا لم نعد نريد البحث عنها بالطريقة نفسها.
ثمة حروب لا تبدأ بإعلان رسمي، ولا تحتاج إلى أن تتحرك الجيوش أو تعبر الطائرات الحدود حتى نشعر باقترابها. يكفي أن تتصاعد التصريحات، وتتلاحق التهديدات، وتتحول نشرات الأخبار إلى عد تنازلي لمواجهة محتملة، حتى يصبح العالم بأسره أسير حرب لم تبدأ بعد. وربما كانت هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في عالمنا المعاصر،
لم يعد الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى ممارسي التواصل المؤسسي والعلاقات العامة مجرد أداة تقنية إضافية، بل أصبح عاملاً يعيد تشكيل طبيعة المهنة نفسها. فالممارس الذي كان يُقاس أداؤه بقدرته على صياغة الرسائل، وبناء العلاقات، وإدارة السمعة، بات مطالباً اليوم أيضاً بفهم أدوات التوليد والتحليل والأتمتة، وبالتمييز بين ما يسرّع العمل وما يهدد مصداقيته. ولهذا تبدو المعادلة الجديدة في قطاع التواصل واضحة: كلما اتسعت فرص الابتكار، تعاظمت في المقابل مسؤولية ضبط الموثوقية والشفافية والحوكمة. وتشير تقارير مهنية حديثة إلى أن مشهد الاتصال في 2025 و2026 يتشكل تحت ضغط مزدوج: أزمة ثقة أوسع في البيئة العامة، وتسارع كبير في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.
ثمة مفارقة في عالم الإدارة الحديثة، فكلما تطورت أدوات التخطيط الاستراتيجي، وتعددت النماذج التحليلية ومؤشرات الأداء، ابتعد بعض القادة عن ممارسة دورهم الحقيقي في صناعة الاستراتيجية. أصبحت المؤسسات تمتلك خططا أكثر تفصيلا، ولوحات قياس أكثر تعقيدا، لكنها لا تمتلك بالضرورة إجابات واضحة عن الأسئلة التي تحدد مستقبلها. ماذا نريد أن نكون؟ ولماذا نوجد؟ وما القيمة التي نقدمها ولا يستطيع الآخرون تقديمها بالطريقة نفسها؟
أحيانا لا تحتاج الفكرة العظيمة إلى مختبر ابتكار، أو ميزانية ضخمة، أو فريق من الخبراء يقضي أشهرا في دراسة الأسواق وسلوك المستهلكين. قد تولد الفكرة خلف طاولة إعداد القهوة، وتبدأ بملاحظة بسيطة، ثم تجد طريقها إلى ملايين الناس لأن صاحبها امتلك الشجاعة لمشاركتها مع الآخرين. وهذا بالضبط ما حدث مع الفتاة السعودية رويدة الغرير، المعروفة باسم «ريري»، التي تحولت طريقتها الخاصة في تناول إحدى حلويات دانكن إلى منتج رسمي يحمل اسمها.
ثمة كتب تقرؤها لتتعلم منها، وكتب تقرؤها لتستمتع بلغتها، وأخرى تعود إليها لما تتركه في نفسك من أثر. لكن الكتب التي تجمع هذه الخصال جميعا ليست كثيرة، ومن بينها كتاب «الداء والدواء» المعروف أيضا باسم «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» للإمام ابن قيم الجوزية، أحد أعلام الفكر الإسلامي في القرن الثامن الهجري، الذي استطاع أن يقدم نموذجا بديعا لما يمكن أن تكون عليه الكتابة في العلوم الشرعية، عندما تجتمع المعرفة العميقة مع البيان الرفيع، والاستدلال العقلي مع القصص المؤثرة، وتتحول الأحكام والمواعظ من نصوص تقريرية إلى خطاب حي يخاطب العقل والوجدان معا.