طوال ما يقارب ثلاثة عقود، اعتدنا أن نبدأ رحلتنا نحو المعرفة من مستطيل صغير نكتب فيه ما نريد، ثم نضغط زر البحث، لنجد أمامنا قائمة من الروابط التي يفترض أن تقودنا إلى الإجابة. كانت تلك الطريقة واحدة من أعظم التحولات التي شهدها تاريخ الإنترنت، حتى أصبح البحث فعلا يوميا نمارسه دون تفكير. لكنني أعتقد أننا نعيش اليوم بداية النهاية لهذا النموذج الذي رافقنا منذ تسعينيات القرن الماضي، ليس لأننا لم نعد بحاجة إلى المعلومات، بل لأننا لم نعد نريد البحث عنها بالطريقة نفسها.
منذ سنوات وأنا أتابع تطورات الذكاء الاصطناعي باهتمام وشغف، وأحرص على تجربة أدواته وتطبيقاته المختلفة، حتى أصبح جزءا من أعمالي اليومية في البحث والكتابة والتحليل وتطوير المنتجات الرقمية. لكن مع كل تقدم تحققه هذه التكنولوجيا، يزداد اقتناعي بأننا ما زلنا في بداية الطريق، وأن معظم استخداماتنا الحالية لا تتجاوز الاستفادة من قدرة الآلة على الإجابة عن الأسئلة وتنفيذ الأوامر المباشرة. وهي قدرات مدهشة بلا شك، لكنها لا تمثل بالضرورة ما أطمح إلى الوصول إليه.
كلما ظهرت تقنية جديدة قادرة على أداء أعمال اعتدنا أن يقوم بها البشر، عاد السؤال القديم بصيغة مختلفة: ماذا سيحدث لو لم تعد المؤسسات بحاجة إلى العدد نفسه من الموظفين؟ حدث ذلك مع الثورة الصناعية، ثم الحواسيب والإنترنت، وها نحن نواجه اليوم تحولا قد يكون أعمق من سابقاته، لأن الذكاء الاصطناعي لا ينافس الإنسان في قدرته الجسدية أو سرعة إنجاز الأعمال المتكررة فحسب، بل أصبح يشاركه في الكتابة والتحليل والتصميم والبرمجة واتخاذ بعض القرارات. وللمرة الأولى، يجد أصحاب المهن المعرفية أنفسهم أمام تقنية تستطيع إنجاز جزء معتبر مما كانوا يعدونه اختصاصا بشريا يصعب الاستغناء عنه.
عندما ظهرت ويكيبيديا مطلع عام 2001، لم يكن كثيرون يتوقعون أن تتحول تجربة موسوعية مفتوحة، يشارك في تحريرها متطوعون من مختلف أنحاء العالم، إلى واحدة من أهم المراجع المعرفية في تاريخ البشرية. كانت الفكرة ثورية في جوهرها، فالمعرفة لم تعد حكرا على المؤسسات الأكاديمية ودور النشر، وأصبح الوصول إليها متاحا للجميع. لكن بعد ربع قرن من هذا النجاح الاستثنائي، بات المشروع يواجه تساؤلات متزايدة حول حياده ومصداقيته وآليات إدارته، ومستقبله في عصر الذكاء الاصطناعي.
لطالما اعتقدت أن أعظم ما تقدمه التقنية للإنسان ليس قدرتها على تنفيذ العمليات المعقدة، وإنما قدرتها على جعل هذه العمليات تبدو بسيطة. فالتقدم التقني الحقيقي، في تقديري، لا يقاس فقط بسرعة المعالجات أو حجم الذاكرة أو عدد الوظائف التي يقدمها الجهاز، بل بمقدار الجهد الذي يوفره على مستخدمه. وربما كانت هذه الفكرة هي التي جعلت علاقتي بشركة أبل تستمر لما يقارب أربعة عقود، منذ أول تجربة لي مع أحد أجهزتها في معمل مدرسي، وحتى اليوم الذي أصبحت فيه محاطا بمنظومة متكاملة من منتجاتها.
خلال أيام قليلة تنطلق النسخة الجديدة من مؤتمر LEAP 2026، ومع كل نسخة من المؤتمر تتأكد الفكرة أن ليب باعتباره مؤتمرا تقنيا كبيرا يقام في المملكة أكبر من أن يصنف كحدث عادي أو فعالية سنوية. فالقيمة التي تحققت من هذا الحدث خلال سنواته المعدودة الماضية أكبر من أن يتم قياسها بمختلف أدوات القياس التقليدية.
قبل أيام، وبينما كنت أعود إلى بعض ما كتبته قديما، وجدت تعليقا نشرته في موقع أرقام الاقتصادي في يوليو 2020. توقفت عنده طويلا، ليس لأنني أتذكر كتابته، ولكن لأنني وجدت فيه فكرة بدت لي اليوم مألوفة جدا، بينما لم تكن كذلك قبل ست سنوات.
أحيانا لا أشتاق إلى موقع إلكتروني بعينه، بقدر ما أشتاق إلى الإنترنت نفسه كما عرفناه في بداياته. إلى ذلك الزمن الذي كان فيه الدخول إلى الشبكة فعلا مقصودا، والبحث رحلة، والعثور على موقع جيد اكتشافا يستحق أن تحفظ عنوانه في المفضلة حتى لا تفقده مرة أخرى. كان الإنترنت أبطأ كثيرا مما هو عليه اليوم، وأقل جمالا وتنظيما، وأفقر في إمكاناته، ومع ذلك كان يحمل قدرا هائلا من الدهشة.