أحيانا لا تحتاج الفكرة العظيمة إلى مختبر ابتكار، أو ميزانية ضخمة، أو فريق من الخبراء يقضي أشهرا في دراسة الأسواق وسلوك المستهلكين. قد تولد الفكرة خلف طاولة إعداد القهوة، وتبدأ بملاحظة بسيطة، ثم تجد طريقها إلى ملايين الناس لأن صاحبها امتلك الشجاعة لمشاركتها مع الآخرين. وهذا بالضبط ما حدث مع الفتاة السعودية رويدة الغرير، المعروفة باسم «ريري»، التي تحولت طريقتها الخاصة في تناول إحدى حلويات دانكن إلى منتج رسمي يحمل اسمها.
تخيل أن فكرة خطرت ببالك ذات مساء، ثم نسيتها مع انشغالات الحياة، كانت كفيلة بتغيير حياة شخص، أو تأسيس مشروع ناجح، أو تقديم حل لمشكلة طال انتظارها. كم من الأفكار التي لم تر النور، ليس لأنها تفتقر إلى القيمة، بل لأن أصحابها لم يجدوا الوقت أو الإمكانات لتنفيذها؟ وكم من الفرص التي ربما أضعناها لأننا اعتقدنا أن من يفكر في الفكرة يجب أن يكون هو من يحققها؟
من بين عشرات الإعلانات والأعمال الإبداعية التي تتسابق المؤسسات على تقديمها في المناسبات الوطنية، تستوقفني أحيانا أعمال لا تعتمد على ضخامة الإنتاج وحدها، وإنما على قدرتها على اختزال فكرة كبيرة في رسالة بسيطة، ثم تحويل تلك الرسالة إلى تجربة شعورية تبقى في ذاكرة المتلقي. وهذا ما وجدته في الفيديو الترويجي الذي قدمته حديقة الملك سلمان بعنوان «موطن حي في وطن حي»، بالتزامن مع اليوم الوطني السعودي، والذي أراه واحدا من الأعمال التي تستحق التأمل من زاوية التسويق والاتصال المؤسسي وصناعة الصورة الذهنية.
أحيانا لا ندرك القيمة الحقيقية للأشياء التي اعتدنا وجودها في حياتنا، حتى نشاهد الآخرين وقد حرموا منها. ولعل الأمن من أكثر هذه النعم التي نألفها حتى نكاد ننسى أنها ليست حالة طبيعية مضمونة في عالم يموج بالصراعات والأزمات. نستيقظ كل صباح، ونذهب إلى أعمالنا، ونرسل أبناءنا إلى مدارسهم، ونمضي في تفاصيل حياتنا اليومية، دون أن نفكر كثيرا في حجم الجهود التي تجعل كل ذلك ممكنا، أو في المسؤوليات التي تتحملها مؤسسات الدولة ليبقى هذا الاستقرار جزءا من حياتنا.
من أكثر الأمور التي تستوقفني في العلاقات الإنسانية ذلك الإصرار الذي يبديه بعض الناس على ضرورة أن يتفق الآخرون معهم في أفكارهم وقناعاتهم، حتى ليبدو الاختلاف في نظرهم مشكلة تستوجب المعالجة، أو خللا ينبغي تصحيحه. وقد يمتد هذا التصور إلى العلاقات الاجتماعية والمهنية والفكرية، فنجد أنفسنا أمام محاولات مستمرة لإقناع الآخرين بوجهة نظر واحدة، وكأن العالم لا يتسع إلا لتفسير واحد للأحداث، أو طريقة واحدة في التفكير، أو رؤية واحدة للحياة.
لطالما اعتقدت أن أعظم ما تقدمه التقنية للإنسان ليس قدرتها على تنفيذ العمليات المعقدة، وإنما قدرتها على جعل هذه العمليات تبدو بسيطة. فالتقدم التقني الحقيقي، في تقديري، لا يقاس فقط بسرعة المعالجات أو حجم الذاكرة أو عدد الوظائف التي يقدمها الجهاز، بل بمقدار الجهد الذي يوفره على مستخدمه. وربما كانت هذه الفكرة هي التي جعلت علاقتي بشركة أبل تستمر لما يقارب أربعة عقود، منذ أول تجربة لي مع أحد أجهزتها في معمل مدرسي، وحتى اليوم الذي أصبحت فيه محاطا بمنظومة متكاملة من منتجاتها.
لا أذكر متى بدأ شغفي بالأعمال الموسوعية تحديدا، لكنني أتذكر جيدا «الموسوعة العلمية الميسرة» التي قرأتها في طفولتي، وكيف كانت تفتح أمامي أبوابا لعوالم لم أكن أعرف عنها شيئا. فقد كانت الموسوعات آنذاك نافذتنا الواسعة على المعرفة، ننتقل بين صفحاتها من موضوع إلى آخر، وربما بدأنا بالبحث عن معلومة واحدة لنجد أنفسنا بعد ساعات وقد اكتشفنا عشرات الموضوعات التي لم نكن نعرف أننا نجهلها.
للأوطان أوقات تختبر فيها قوتها، وتظهر فيها معادن شعوبها، وتثبت فيها أن ما بنته على مدى عقود لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة رؤية وعزيمة وعمل. ونحن اليوم نعيش واحدة من تلك الأوقات، لا لنخشى ما يأتي، بل لندرك حجم ما نملك من أسباب القوة، ونزداد ثقة بوطننا ومستقبله.
بالأمس كنت أجلس مع أحد الأصدقاء الصدوقين، وانتقل بنا الحديث من موضوع إلى آخر حتى توقفنا عند سؤال بدا بسيطا في ظاهره، لكنه أخذنا إلى مساحة أعمق من التأمل: كيف يمكن للقناعات التي يحملها الإنسان أن تتحول مع الوقت إلى سجن يأسره، ويحدد له ما يستطيع فعله وما ينبغي عليه تجنبه، بل وما يسمح لنفسه بالتفكير فيه؟