من أخطر ما يفعله المجتمع بالإنسان أنه لا يكتفي بوضع معايير للنجاح بل يقنعه بأنها المعايير الوحيدة التي تستحق أن يقاس بها. فنحن نعيش في زمن أصبحت فيه قيمة الإنسان تختزل في حجم ثروته أو المنصب الذي يشغله أو عدد متابعيه أو الصورة التي يظهر بها أمام الآخرين.
قبل عشرة أعوام فقط كانت كثير من المشاهد التي نعيشها اليوم تبدو بعيدة عن الخيال. مدن تتغير أمام أعيننا ومشاريع تولد من الصحراء وقطاعات اقتصادية جديدة تفتح أبوابها للمواطنين والعالم. لم تعد رؤية السعودية ٢٠٣٠ مجرد وثيقة تحمل أهدافا للمستقبل بل أصبحت تحولا شاملا نراه في تفاصيل الحياة ونلمسه في الاقتصاد والمجتمع والخدمات وجودة المكان.
ماذا لو استيقظنا بعد سنوات قليلة، فوجدنا أن معظم الأشياء من حولنا أصبحت قادرة على التفكير؟ السيارة تقترح الطريق قبل أن نحدد وجهتنا، والمنزل يعرف حاجتنا إلى الطاقة، والمستشفى يتوقع المرض قبل ظهور أعراضه، والمدرسة تصمم لكل طالب مسارًا مختلفًا، والجهة الحكومية تنجز الخدمة قبل أن يتقدم المواطن بطلبها.
في زحام الحياة اليومية، ننسى أحيانا أن ما نحمله داخل أجسادنا من عافية هو أعظم ما نملك. ننشغل بالعمل، وبالناس، وبالتفاصيل الصغيرة، وبما قيل وما لم يقل، وبما يجب أن نفعله وما لم نتمكن من إنجازه، حتى نجد أنفسنا في سباق مرهق لا نهاية له. لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عنا هي أن الحياة لا تستحق أن نخسر صحتنا من أجلها.
تعلمنا الشطرنج أن الحركة الواحدة لا تقاس بما تحققه الآن فقط، بل بما تفتحه من فرص وما تسببه من مخاطر لاحقا. قد يبدو القرار مغريا في لحظته، لكنه يخفي خسارة لم تظهر بعد، وقد تبدو خطوة أخرى محدودة لكنها تمهد لمكسب كبير. وهذا يشبه الحياة؛ فليست كل فرصة تستحق الاقتناص، وليست كل مكاسب اللحظة دليلا على صحة الاختيار.
في حياة الإنسان لحظات تضيق فيها الخيارات، وتغلق الأبواب، ويعجز العقل عن إيجاد مخرج واضح. عندها يتذكر المؤمن أن له بابا لا يغلق، وربا لا يعجزه شيء، ودعاء يستطيع أن يرفعه في كل وقت، بلا موعد ولا وسيط ولا شروط معقدة.
ليست كل برودة ابتعادا عن الدفء، وليست كل وجهة سياحية مكانا نذهب إليه ثم نغادره كما هو. بعض الأمكنة تمنحنا طقسا مختلفا، وتترك في داخلنا أثرا أعمق من الطقس. وعسير واحدة من تلك الجهات التي لا تستقبل زائرها بالهواء العليل وحده، بل بحكاية كاملة من الجبل والغيم والقرى العتيقة وذاكرة الإنسان.
في أقل من عقدين، تغيّر شكل العالم أكثر مما تغيّر في قرون طويلة. الهاتف الذي نحمله اليوم يمتلك قدرة معرفية تفوق ما كانت تملكه مؤسسات كاملة، والخوارزميات لم تعد تكتفي بتحليل سلوكنا، بل أصبحت تقترح علينا ما نقرأ، وما نشتري، وما نؤمن به أحيانا. أما الذكاء الاصطناعي، فلم يعد فكرة مستقبلية تُناقش في المؤتمرات، بل قوة يومية تعيد تشكيل الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، وحتى العلاقات الإنسانية.
لم يعد الصباح يبدأ كما كان. في كثير من أيامنا، تسبقنا الإشعارات إلى وعينا؛ توقظنا لا لنبدأ الحياة، بل لنلتحق بما فاتنا منها ونحن نائمون. رسائل تنتظر الرد، أخبار عاجلة، وتنبيهات صغيرة تعيد ترتيب أولوياتنا قبل أن نقرر كيف نريد أن نبدأ يومنا.