تخيل أنك تتجول في جدة التاريخية، وتقف أمام منزل يعود عمره إلى عشرات السنين، فتخرج هاتفك وتوجه كاميرته نحو المبنى، لتظهر أمامك صور قديمة تكشف كيف كان يبدو، وتستمع إلى حكايات سكانه، وتشاهد كيف تغير المكان عبر الزمن. أو أن تقف في أحد شوارع الرياض فتكتشف ما كان عليه قبل نصف قرن، ومن عاش فيه، وما الأحداث التي شهدها. كل ذلك دون الحاجة إلى مرشد سياحي أو زيارة متحف.
من هنا تنطلق فكرة «ذاكرة المكان»، وهي منصة رقمية مفتوحة تحول المدن إلى متاحف حية، وتجعل لكل مبنى وشارع وساحة قصة يمكن اكتشافها بمجرد الوصول إليها.
تعتمد الفكرة على بناء خريطة تفاعلية ترتبط بالمواقع الجغرافية، وتجمع الصور التاريخية والوثائق والشهادات الشخصية والمقاطع المرئية والصوتية، ثم توظف الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز لتقديم هذه المواد في تجربة تفاعلية جذابة. ويمكن للزائر استكشاف الماضي من الموقع الذي يقف فيه، ومقارنة المشهد الحالي بصور المكان القديمة، والاستماع إلى روايات موثقة بلغات متعددة.
والأجمل أن المشروع لا يعتمد على المؤسسات وحدها، بل يتيح للسكان المشاركة في بناء ذاكرة مدنهم. فقد تحتفظ إحدى العائلات بصورة نادرة لشارع قديم، أو يملك أحد كبار السن قصة عن سوق اختفى، أو تحتفظ مؤسسة بوثائق وصور لموقع تاريخي. ويمكن جمع هذه المواد في منصة واحدة، مع إخضاعها للتوثيق والمراجعة وحفظ حقوق أصحابها، لتتحول الذكريات الفردية إلى إرث معرفي متاح للجميع.
ولا يحتاج تنفيذ الفكرة إلى البدء بمشروع ضخم. يمكن اختيار حي تاريخي واحد، وتوثيق مئة موقع فيه، وإطلاق تجربة أولية باستخدام رموز الاستجابة السريعة والخرائط الرقمية، ثم تطويرها تدريجيا بإضافة تقنيات الواقع المعزز والسرد التفاعلي. ومع نجاح التجربة، يمكن أن تتوسع لتشمل أحياء ومدنا أخرى، حتى تتشكل ذاكرة رقمية وطنية تربط المكان بتاريخه والإنسان بحكايته.
وتفتح «ذاكرة المكان» فرصا واسعة للجهات الثقافية والسياحية والبلديات والجامعات ورواد الأعمال، سواء من خلال تطوير المحتوى التاريخي، أو تصميم التجارب السياحية، أو إنتاج المسارات التعليمية، أو بناء تطبيقات جديدة تستفيد من هذا الأرشيف المفتوح. كما يمكن أن تصبح وسيلة لتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بأحيائها ومدنها، وإثراء تجربة الزوار الراغبين في التعرف على تاريخ المملكة من خلال تفاصيل الحياة اليومية، وليس المعالم الشهيرة وحدها.
إننا نستثمر كثيرا في المحافظة على المباني التاريخية وترميمها، وهذا أمر بالغ الأهمية، لكن المبنى الذي نحافظ على جدرانه ونفقد حكاياته يظل فاقدا لجزء من روحه. فالتاريخ ليس حجارة وأبوابا ونوافذ فحسب، بل أشخاص عاشوا، وأصوات ترددت، ومواقف صنعت ذاكرة المكان.
«ذاكرة المكان» فكرة مفتوحة للتبني والتطوير، أضعها هنا لمن يجد فيها فرصة لبناء مشروع ثقافي وتقني يعيد الحياة إلى قصص مدننا، ويجعل من شوارعها ومبانيها صفحات مفتوحة من تاريخها.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.