منذ سنوات، تعيش منطقتنا العربية على وقع نذر حروب لا تكاد تنتهي. كلما خفت صوت مواجهة ارتفع صوت أخرى، وكلما لاح في الأفق احتمال للتهدئة ظهر ما يعيد المنطقة إلى حافة المجهول. تتغير الأطراف، وتتبدل التحالفات، وتتعدد الذرائع، لكن النتيجة واحدة؛ شرق أوسط يستهلك جانبا كبيرا من طاقته في إدارة احتمالات الصراع، بدلا من توجيهها نحو صناعة مستقبله.

ولعل الأكثر إثارة للقلق أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل تحولت إلى منظومة معقدة من الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية والتقنية. العقوبات حرب، والتهديد بإغلاق الممرات البحرية حرب، والهجمات السيبرانية حرب، والتلاعب بأسواق الطاقة حرب من نوع آخر. حتى الخطاب الإعلامي أصبح ساحة مواجهة مستقلة، تتنافس فيها الأطراف على تشكيل الإدراك العام، وإثارة المخاوف، وصناعة الانطباعات التي قد تسبق الرصاصة الأولى بأشهر أو سنوات.

وفي خضم هذا المشهد، تبدو المنطقة وكأنها تعيش حالة استنزاف مستمرة، ليس بالضرورة في الموارد العسكرية وحدها، وإنما في الاستقرار النفسي والاقتصادي والاجتماعي. فالمستثمر الذي يتردد في اتخاذ قراره بسبب احتمالات التصعيد، والسائح الذي يغير وجهته خشية الاضطرابات، والشركات التي تعيد حسابات سلاسل الإمداد، جميعهم يدفعون ثمنا لحرب لم تقع بعد. وهنا تصبح نذر الحرب نفسها أداة قادرة على إحداث أضرار حقيقية، حتى إن لم تتحول إلى مواجهة مفتوحة.

غير أن قراءة المشهد من زاوية الخوف وحدها لا تكفي لفهم ما يجري. فالحروب ليست قدرا محتوما، كما أن التصعيد لا يعني بالضرورة أن الأطراف قد اتخذت قرار المواجهة. كثيرا ما تستخدم الدول التهديدات العسكرية لتحسين مواقعها التفاوضية، أو لردع خصومها، أو لإعادة ترتيب موازين القوى. لكن الخطورة تكمن في أن لعبة الضغط المتبادل قد تتجاوز حدود السيطرة، وأن خطأ واحدا في الحسابات يمكن أن يحول التهديد إلى واقع لا يريده أحد.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين القدرة على إشعال الحرب والقدرة على التحكم في نتائجها. فقد تستطيع دولة أن تبدأ مواجهة عسكرية متى شاءت، لكنها لا تستطيع أن تضمن نهايتها أو تحصر تداعياتها داخل الحدود التي رسمتها لها. والتاريخ مليء بحروب بدأت بأهداف محدودة، ثم تحولت إلى صراعات طويلة أعادت رسم خرائط الدول والمجتمعات، وتركت وراءها خسائر تتجاوز بكثير ما كان يتوقعه أصحاب القرار.

وفي قلب هذه التحولات، تقف المملكة العربية السعودية أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز حماية أمنها الوطني إلى الإسهام في استقرار منطقة ترتبط بمصالح العالم بأسره. فالمملكة ليست مجرد دولة مؤثرة في سوق الطاقة، وإنما قوة سياسية واقتصادية ودينية ذات امتدادات دولية واسعة، وأي اضطراب كبير في محيطها الجغرافي لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنا إقليميا محدود الأثر.

لقد اختارت المملكة خلال السنوات الماضية أن تجعل التنمية مشروعها الوطني الأكبر، وأن تنقل مركز الاهتمام من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص. وفي الوقت الذي تنشغل فيه أطراف عديدة بصراعات الماضي وحسابات النفوذ، تمضي المملكة في بناء اقتصاد متنوع، وتطوير مدنها، واستقطاب الاستثمارات، وتوسيع حضورها الدولي. وهذا التحول ليس مجرد خيار اقتصادي، بل تعبير عن رؤية سياسية ترى أن الاستقرار شرط أساسي للازدهار، وأن القوة الحقيقية للدول تقاس كذلك بقدرتها على بناء المستقبل.

لكن السعي إلى السلام لا يعني التهاون في حماية المصالح الوطنية، كما أن تجنب الحرب لا يعني العجز عن خوضها إذا فرضت الظروف ذلك. فالدولة القوية هي التي تمتلك القدرة على الردع، والحكمة في استخدام هذه القدرة، والوضوح في تحديد خطوطها الحمراء. ولعل هذا التوازن بين الحزم وضبط النفس يمثل أحد أهم عناصر القوة في عالم تتزايد فيه احتمالات سوء التقدير.

إن أكثر ما تحتاجه منطقتنا اليوم ليس خطابا إضافيا عن الحرب، بل إرادة سياسية تمنع تحولها إلى واقع. تحتاج إلى عقلانية تعيد الاعتبار للدبلوماسية، وإلى إدراك بأن أمن الدول لا يمكن أن يبنى بصورة مستدامة على انعدام أمن جيرانها، وأن المكاسب المؤقتة التي تتحقق بالقوة قد تتحول إلى أعباء استراتيجية طويلة الأمد.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نسمح لنذر الحرب بأن تسرق منا حقنا في التفاؤل. فالمملكة التي اجتازت خلال تاريخها الحديث أزمات إقليمية ودولية جسيمة، وأثبتت قدرتها على حماية استقرارها ومواصلة تنميتها، تملك اليوم من المقومات السياسية والاقتصادية والمؤسسية ما يعزز ثقتها بمستقبلها. والأمم التي تعرف طريقها لا تغير وجهتها مع كل تهديد، ولا تعلق طموحاتها على احتمالات الصراع.

قد تستمر التهديدات، وقد تتصاعد التصريحات، وربما نشهد جولات جديدة من التوتر في منطقة لم تعرف الاستقرار الكامل منذ عقود. لكن السؤال الأهم ليس متى تبدأ الحرب المقبلة، بل كيف نمنع الحروب من أن تصبح الإطار الذي نرى من خلاله مستقبلنا.

فالأوطان لا تبنى بانتظار انتهاء الأزمات، وإنما بالقدرة على مواصلة البناء رغم وجودها. ولعل أعظم انتصار يمكن أن تحققه دولة في زمن الاضطراب هو أن تحافظ على أمنها، وتصون مكتسباتها، وتواصل تقدمها، وتمنح مواطنيها أسبابا جديدة للأمل.

والحرب، مهما طالت نذرها، لا تخيف أمة تعرف قدر نفسها، وتثق بقيادتها، وتؤمن بمستقبلها.