كان نظام الملك رجل دولة بارزا، تولى الوزارة للسلطان ألب أرسلان ثم لابنه ملكشاه، وأسهم في ترسيخ مؤسسات السلطنة السلجوقية خلال القرن الخامس الهجري، في وقت كانت فيه الخلافة العباسية قد دخلت مرحلة طويلة من تراجع نفوذها السياسي منذ القرن الرابع الهجري. وشهدت تلك الحقبة صراعات داخلية وتحديات أمنية، من أبرزها صعود حركة الحشاشين بقيادة حسن الصباح، وانتهت حياة نظام الملك باغتياله سنة 485هـ، في حادثة لا تزال بعض ملابساتها موضع خلاف تاريخي.

ولعل من أبرز إنجازاته التي تستحق التأمل تأسيس المدارس النظامية في عدد من حواضر العالم الإسلامي، وفي مقدمتها بغداد ونيسابور، والتي حملت اسمه، وأسهمت في تنظيم التعليم ورعاية العلماء. ومن الطريف أن تسميتها قد توحي للقارئ المعاصر بمصطلح «التعليم النظامي» الذي نستخدمه اليوم، رغم اختلاف المعنى وعدم ثبوت صلة تاريخية مباشرة بين التسميتين. وما أجمل أن يبقى أثر رجل دولة في مؤسسات العلم بعد قرون من زوال السلطنة التي خدمها.

لكن أكثر ما استمتعت به في الكتاب (الذي أقرأه ربما للمرة الرابعة) لم يكن الحديث عن إدارة الدولة، بل القصص التي أوردها المؤلف عن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، وعن الملوك والأباطرة والسلاطين وغيرهم من حكام الأمم السابقة، وما كان متداولا في عصره من حكايات وأمثال وقصص وأساطير.

وقد استوقفتني الطريقة المختلفة التي كانت تستخدم بها هذه الروايات لفهم التاريخ واستخلاص دروسه. فنحن اليوم نميل إلى تحليل الأحداث من خلال ظروفها السياسية والاقتصادية وموازين القوى والمصالح، بينما كان نظام الملك يستحضر القصص ليقرر من خلالها ما ينبغي أن يكون عليه الحاكم، وكيف تتحقق العدالة، ويكبح الظلم، وتصان حقوق الرعية. وليس بالضرورة أن تكون جميع تلك الروايات ثابتة تاريخيا، لكن قيمتها تكمن أيضا في كشفها عن التصورات الأخلاقية التي كانت تحكم النظرة إلى السلطة في ذلك العصر.

وأكثر ما أثار تأملي أن العدل والتراحم وحماية الناس من الظلم كانت مقاييس محورية لصلاح الحكم في تصور المؤلف، وهو ما دفعني إلى مقارنتها ببعض القراءات السياسية التاريخية المعاصرة التي تنشغل بفهم المصالح والدوافع، وقد تنتهي أحيانا إلى تبرير السياسات ونتائجها من منطلق «الغاية تبرر الوسيلة».

ولا يعني ذلك أن نظام الملك كان بعيدا عن الواقعية السياسية وحسابات القوة، أو أن السياسة الحديثة تخلو من المبادئ الأخلاقية، لكن الفرق الذي شد انتباهي هو بين قراءة التاريخ لاستخلاص ما ينبغي أن يكون، وقراءته لتفسير ما حدث، وربما تبريره.

ففهم الأسباب لا يعني بالضرورة تبرير الأفعال، كما أن النجاح في تحقيق الغايات لا يمنح الوسائل حصانة من المساءلة الأخلاقية.

وبالمناسبة، ولنكون واقعيين جدا، فإن أغلب الأفكار والمفاهيم والقصص الواردة في الكتاب -على إيجابيتها- لا ينبغي أخذها كمسلّمات بصحتها وموثوقيتها، فهي كغيرها مجرد منقولات لم تحقق التحقيق الكافي لظروف تناقل المعلرفة في ذلك القرن، وأيضا لغياب آليات التحقيق في الموروث التي لم تنضج سوى في أزمنة لاحقة.

ومن أكثر الأمور التي أتمنى رؤيتها أن يعاد تقديم كتاب «سير الملوك» في سلسلة معرفية معاصرة تستخلص منه مفاهيم الإدارة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والقيادة والحوكمة، وتربطها بتحديات مؤسساتنا اليوم، مع إخضاعها للقراءة النقدية والتحليل العلمي. فكما تزخر مكتباتنا بمؤلفات وشروح ودراسات وملخصات لكتاب «الأمير» لنيكولو مكيافيلي، الذي ارتبط اسمه في الوعي الشائع بتقديم المصلحة السياسية على الاعتبارات الأخلاقية، أرى أن «سير الملوك» يستحق حضورا أوسع في الدراسات الإدارية والسياسية، لا بوصفه بديلا عن الفكر الحديث، بل مصدرا تراثيا ثريا يستحق إعادة الاكتشاف.

ولا أظن أننا بحاجة إلى تمجيد الماضي أو التقليل من قيمة التجارب الفكرية الأخرى، بقدر حاجتنا إلى إعادة قراءة تراثنا بعين معاصرة، تستخرج منه ما يصلح للتطوير، وتناقش ما تجاوزه الزمن، وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة بلغة تفهمها ومفاهيم تستطيع الاستفادة منها.

خرجت من «سير الملوك» بإعجاب أكبر بشخصية نظام الملك، وبقيمة كتب التراث السياسي التي لا تعرفنا بتاريخ الدول فحسب، بل تكشف كيف كان السابقون يفكرون في السلطة والعدل ومسؤولية الحاكم.