مساحة جديدة للكتابة
منذ سنوات، تمثل الكتابة بالنسبة لي مساحة شخصية أعود إليها باستمرار؛ أكتب في مدونتي عما يشغلني، وما أراه وأتعلمه وأعيشه، وأشارك من خلالها أفكاري وتجربتي وقراءتي للأحداث والموضوعات التي تستحق التوقف عندها.
كتابات عن الاتصال والإنسان والتقنية، وكل ما يترك فينا أثرًا.
بعض الأفكار تبدأ بسؤال،
وبعضها بصورة لا تغادر الذاكرة.
منذ سنوات، تمثل الكتابة بالنسبة لي مساحة شخصية أعود إليها باستمرار؛ أكتب في مدونتي عما يشغلني، وما أراه وأتعلمه وأعيشه، وأشارك من خلالها أفكاري وتجربتي وقراءتي للأحداث والموضوعات التي تستحق التوقف عندها.
تابعت برنامج الصندوق الأسود بحثا عن تجربة الأستاذ القدير داوود الشريان أكثر من بحثي عن أسراره؛ فالرجل لم يكن يروي سيرته وحدها، وإنما كان يفتح نافذة على عقود من تاريخ الإعلام السعودي، وعلى مرحلة طويلة تغيرت خلالها الصحافة، وتبدلت المؤسسات، وظهرت قنوات واختفت أخرى، وتغيرت معها علاقة الإعلام بالمجتمع والجمهور وصانع القرار.
قبل أيام، أعلنت مؤسسة اليمامة الصحفية انتقال جريدة «الرياض» ومجلة «اليمامة» إلى النشر الرقمي الكامل، على أن يكون إصدار 24 أغسطس 2026 آخر نسخة ورقية تصل إلى المشتركين. الخبر لم يكن عاديا، ليس لأن توقف الطباعة حدث مفاجئ في صناعة الإعلام، بل لأن «الرياض» ليست صحيفة عابرة في الذاكرة السعودية. هي مؤسسة صحفية امتدت لعقود، ورافقت تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية كبيرة، ولهذا كان طبيعيا أن يثير قرارها هذا القدر من النقاش بين الإعلاميين.
منذ فترة طويلة لم أرى إعلانا ملهما مصنوع بحبكة مثل إعلان مدينة القدية «اللعب يحيينا». هناك إعلانات تبيع منتجا، وإعلانات تروّج لمكان، وهناك إعلانات تتجاوز كل ذلك لتحاول أن تزرع فكرة وشعورا في ذهنك. وهذا الإعلان ينتمي في رأيي إلى النوع الأخير؛ فهو لا يحاول إقناعنا بزيارة القدية عبر استعراض منشآتها ومشروعاتها وألعابها بقدر ما يبدأ من سؤال أكثر عمقا: ماذا لو لم يكن اللعب مجرد نشاط نمارسه، بل جزءا أصيلا من تكويننا؟
لم يعد الإعلام الاجتماعي المؤسسي مجرد قناة لنشر الأخبار والبيانات والصور، بل أصبح مساحة متكاملة لإدارة العلاقة بين المؤسسة وجمهورها، وبناء السمعة، وتقديم الخدمات، وقياس اتجاهات الرأي العام. ومع تسارع التقنيات الرقمية، تنتقل المؤسسات تدريجيًا من إدارة الحسابات إلى إدارة تجربة الجمهور كاملة، بحيث يصبح كل تفاعل رقمي جزءًا من الصورة الذهنية للمؤسسة.
في كثير من المؤسسات، لا يزال الاتصال ينظر إليه بوصفه وظيفة تنفيذية ترتبط بإصدار البيانات الصحفية، وإدارة حسابات التواصل الاجتماعي، وتنظيم الفعاليات، والتعامل مع وسائل الإعلام. ورغم أهمية هذه الأنشطة، فإنها تمثل أدوات للتنفيذ، لا استراتيجية للعمل.
في تجربتي البحثية الأولى -والتي استفدت منها كثيرا- حول: "أثر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات السيبرانية على سمعة المؤسسة"، لم يكن السؤال تقنيا خالصا؛ بل كان سؤالا عن الثقة. فالأزمة السيبرانية اليوم لم تعد مجرد خلل في نظام أو اختراق في شبكة، بل أصبحت لحظة اختبار حقيقية لقدرة المؤسسة على حماية بيانات عملائها، وصون مصداقيتها، والتواصل مع جمهورها بوضوح وسرعة ومسؤولية.
لم يعد التواصل المؤسسي في عالم اليوم مجرد بيان يصدر، أو خبر ينشر، أو حملة إعلامية تبحث عن انتشار سريع. لقد تغيّر المشهد، وتغيّر معه الإنسان المتلقي. لم يعد الجمهور ينتظر ما تقوله المؤسسات فقط، بل يسأل: ماذا تقصد؟ ولماذا الآن؟ وما موقع الإنسان من هذه الرسالة؟ وهل تعكس الكلمات حقيقة السلوك أم تجمله؟
لم تعد المؤسسة تُعرَف اليوم من مبناها، ولا من تاريخها الطويل، ولا حتى من جودة خدماتها وحدها. صارت تُعرَف من أثرها الأول في شاشة صغيرة، من نبرة منشور، من طريقة ردّها على سؤال، من صورة عابرة، ومن ذلك الانطباع الصامت الذي يتكوّن في عقل الجمهور قبل أن يلتقي بها وجها لوجه.