قضيت أياما أتابع الحلقات بشغف وعين مهنية أكثر من كونها متابعة لبرنامج حواري يبحث عن المفاجآت. كل قصة كان يرويها الشريان كانت بالنسبة لي تحمل سؤالا آخر خلفها: كيف كان الإعلام يعمل في تلك المرحلة؟ كيف كان الصحفي يصل إلى المعلومة؟ كيف كانت العلاقة مع المصدر؟ كيف كانت غرف الأخبار تدار؟ كيف كانت القرارات تتخذ؟ وكيف كان الإعلاميون يتعاملون مع الأحداث الكبرى في زمن لم تكن فيه منصات التواصل الاجتماعي، ولم يكن بإمكان أي شخص أن يحمل هاتفا وينقل الحدث في اللحظة نفسها؟
هذه التفاصيل هي التي جعلت اللقاء مهما بالنسبة لي. فداوود الشريان لم يدخل الإعلام من بوابة التلفزيون كما قد يعرفه جزء من الجمهور اليوم، وإنما مر بمحطات متعددة في الصحافة والكتابة والإدارة والإعلام المرئي والبرامج الحوارية، وعاصر خلال ذلك تحولات سياسية واجتماعية وإعلامية كبيرة داخل المملكة والمنطقة. ولهذا فإن الاستماع إلى تجربته لم يكن مجرد استماع إلى سيرة شخص، بل إلى جزء من ذاكرة مهنة كاملة.
يمكن لأي شخص اليوم أن يعود إلى أرشيف الصحف ليعرف ماذا حدث في سنة معينة، ويمكنه أن يبحث عن خبر أو عنوان أو صورة قديمة، لكن الأرشيف لا يخبرنا دائما بما كان يحدث خلف الخبر. لا يخبرنا كيف فكر رئيس التحرير، ولا لماذا نشرت قصة وتوقفت أخرى، ولا كيف تشكلت العلاقة بين الصحفي والمسؤول، ولا كيف كانت المؤسسات الإعلامية توازن بين سرعة الخبر وحساسية المرحلة. هذه التفاصيل تبقى غالبا في ذاكرة من عاشها، وهنا تأتي قيمة الشهادات المهنية الطويلة.
وأعتقد أن أجمل ما في ظهور الشريان في الصندوق الأسود أنه لم يقدم نسخة مصقولة ومثالية من تجربته، بل تحدث عن مواقف واختلافات وقرارات ونجاحات وأخطاء، وهذه تحديدا هي المادة التي تصنع المعرفة الحقيقية. نحن عادة نحب أن نحكي نجاحاتنا، ونرتب سيرتنا المهنية بطريقة تجعلها أكثر جمالا، لكن الخبرة لا تتكون من النجاحات وحدها. أحيانا يكون أهم درس في قرار لم ينجح، أو في أزمة لم تسر كما كان متوقعا، أو في خلاف مهني، أو في لحظة اضطر فيها الإنسان إلى مراجعة نفسه.
ولهذا كنت أبحث أثناء مشاهدة اللقاء عن هذه المساحات أكثر من بحثي عن الأسماء أو الأسرار. كنت أسأل نفسي: كيف يفكر الإعلامي حين يكون تحت الضغط؟ كيف يبني علاقاته؟ متى يكون جريئا؟ ومتى تصبح الجرأة مخاطرة؟ كيف يتعامل مع السلطة؟ وكيف يقرأ الجمهور؟ وكيف يستطيع أن يحافظ على حضوره بينما تتغير الأدوات والمنصات من حوله؟
هذه الأسئلة تجعل تجربة رجل أمضى عقودا في الإعلام ذات قيمة حقيقية للجيل الذي يعمل اليوم في بيئة مختلفة تماما. فالإعلامي اليوم يعمل في عالم سريع، رقمي، مفتوح، تتداخل فيه المؤسسات مع المنصات والأفراد والمؤثرين، بينما نشأ جيل الشريان في بيئة كانت فيها الصحيفة مؤسسة كبرى، وكان التلفزيون نافذة مركزية، وكان الوصول إلى الجمهور يمر عبر بوابات محددة. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة الشريان ليست فقط حكاية عن الماضي، بل مادة تساعد على فهم كيف وصل الإعلام إلى شكله الحالي.
أكثر ما لفتني أيضا أن الإنسان بعد سنوات طويلة من العمل يصبح في داخله أرشيف كامل، قد لا يكون مكتوبا في أي مكان. يعرف لماذا اتخذت بعض القرارات، ومن كان وراءها، وما البدائل التي طرحت، وكيف تغيرت المواقف، وما الذي نجح وما الذي فشل. هذه المعرفة لا تظهر عادة في التقارير الرسمية ولا في البيانات ولا في السير الذاتية المختصرة. هي ما يمكن أن نسميه الذاكرة غير المكتوبة للمؤسسات.
وهنا تحديدا أرى أن داوود الشريان قدم خدمة للمهنة حين قرر أن يتحدث. فمشاركة الخبرة ليست مجرد استعادة للذكريات، بل شكل من أشكال نقل المعرفة بين الأجيال. المهني حين يصل إلى مرحلة متقدمة من تجربته يصبح ما تعلمه وما أخطأ فيه وما اكتشفه شيئا يمكن أن يختصر سنوات طويلة على من يأتي بعده.
لدينا في السعودية أسماء كثيرة تحمل في ذاكرتها تاريخا كاملا لمؤسسات وصحف وقنوات ومراحل وتحولات كبرى، لكن جزءا كبيرا من هذه الذاكرة ما زال حبيس أصحابها. وهذا يدفعني إلى التساؤل: كم من قصة إعلامية مهمة اختفت بوفاة صاحبها؟ وكم من تجربة انتهت دون أن تكتب؟ وكم من قرار أو أزمة نعرف نتيجتها، لكننا لا نعرف شيئا عن الطريقة التي جرى بها التعامل معها داخل المؤسسة؟ هذه خسارة معرفية حقيقية.
ولهذا فإن تجربة الشريان في الصندوق الأسود تستحق أن ننظر إليها أبعد من كونها حلقات مثيرة أو ممتعة. هي تذكير بأهمية التوثيق المهني، وبأن تاريخ الإعلام لا تحفظه المؤسسات وحدها، بل يحمله أيضا الأشخاص الذين صنعوه وعاشوه. ومن هنا تصبح الحوارات الطويلة والمذكرات والكتب والبودكاست ومشروعات التاريخ الشفهي وسائل مهمة لحفظ الخبرة قبل أن تضيع.
كما أن نجاح هذه الحلقات لا ينفصل عن أسلوب عمار تقي في إدارة الحوار. فبعض الحوارات يفشل لأن المقدم يسعى إلى إثبات حضوره أكثر من سعيه إلى استخراج ما لدى الضيف، بينما كان واضحا أن قيمة الصندوق الأسود تقوم على منح الضيف المساحة، ثم العودة إلى التفاصيل بالسؤال المناسب. وفي حالة داوود الشريان تحديدا كان هذا مهما، لأنك أمام ذاكرة مليئة بالأحداث والأسماء والمواقف، والمهمة ليست فقط أن تسأل، بل أن تعرف متى تصمت، ومتى تتوقف عند جملة عابرة قد تخفي خلفها قصة كاملة.
ومع ذلك، فإن مثل هذه الشهادات ينبغي أن تقرأ بوصفها رواية صاحبها للأحداث، لا الحقيقة التاريخية الوحيدة. الذاكرة البشرية انتقائية، وقد يتذكر شخص آخر الحدث نفسه بطريقة مختلفة، وقد تقدم الوثائق رواية إضافية. وهذا لا يقلل من قيمة تجربة الشريان، وإنما يجعلها جزءا من صورة أكبر. المهم أن هذه الشهادة أصبحت موجودة، وأنها متاحة لمن يريد أن يفهم المرحلة من داخلها.
وأعتقد أن هذه هي الرسالة الأهم التي خرجت بها من اللقاء: الخبرة التي لا تروى تضيع. الإنسان في بداية مسيرته المهنية يبحث عن المعرفة في الكتب والدورات والجامعات، لكنه بعد سنوات يكتشف أن بعض أهم ما يحتاجه لا يوجد في الكتب أصلا. يوجد في تجربة شخص سبقه، في خطأ ارتكبه، في قرار ندم عليه، في أزمة مر بها، في علاقة بناها، وفي نصيحة كان يتمنى لو أن أحدا قالها له في بداية الطريق.
لهذا أتمنى أن تدفع تجربة داوود الشريان مزيدا من أصحاب التجارب الإعلامية السعودية إلى التوثيق والحديث. أريد أن أسمع قصص رؤساء التحرير الذين عاشوا العصر الذهبي للصحافة، والمراسلين الذين غطوا الحروب والأزمات، ومديري القنوات الذين كانوا في غرف القرار عند الأحداث الكبرى، والمصورين الذين وثقوا تحولات المملكة، والإذاعيين الذين دخلت أصواتهم ملايين البيوت، والكتاب الذين صنعوا سجالات فكرية وثقافية لسنوات. لدينا تاريخ إعلامي غني جدا، لكنه لم يوثق بعد بالقدر الذي يستحقه.
وبعد هذه الرحلة الطويلة معه، لا أملك إلا أن أقول: شكرا داوود الشريان لأنك فتحت صندوق التجربة، وليس فقط صندوق الأسرار. شكرا لأنك شاركت ما تعلمته وما عشته، ولأنك ذكرتنا بأن قيمة الخبرة لا تكتمل بما يعيشه صاحبها، بل بما يتركه لمن يأتي بعده.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.