كتبت وقتها:

«وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الذكاء الصناعي وتعلم الآلة هو من سيقود المشهد في القريب العاجل، والابتكار البشري في العملية يعتمد فقط على نوع الفكرة وجرأتها وتقديمها لحلول لعدد من المشاكل التي تواجه المستخدمين... أصبح بناء الحلول الإلكترونية بمثابة أوامر بسيطة...»

كان ذلك في 2020، في عز أزمة كوفيد-١٩، وقبل ظهور ChatGPT للعامة بأكثر من عامين، وقبل أن تصبح كلمة Prompt جزءا من قاموس ملايين المستخدمين، وقبل أن نصل إلى المرحلة التي أستطيع فيها أن أصف للآلة تطبيقا أريده، ثم أراقبها وهي تكتب ملفاته، وتنشئ قاعدة بياناته، وتبني واجهته، وتشغل الاختبارات وتبحث عن أخطائها.

لا أدري إن كان ما كتبته وقتها يمكن تسميته استشرافا للمستقبل بالمعنى العلمي للكلمة، وربما كان مجرد امتداد منطقي لما كنت أراه أمامي. لكنني أعرف من أين جاءت الفكرة.

كنت مهتما بالبرمجة منذ سنوات، ومن الأشياء التي استهوتني كثيرا فلسفة بيئات وأطر التطوير التي بدأت تختصر الطريق الطويل بين الفكرة والمنتج. ومن أكثرها تأثيرا في تفكيري Ruby on Rails.

لغة Ruby كانت معروفة، لكن Rails قدمت طريقة مختلفة في التفكير. لم تعد المسألة أن تكتب كل شيء من الصفر، وإنما أن تعمل داخل إطار يفهم كثيرا مما تريد القيام به مسبقا. ومن أهم الأفكار التي قامت عليها Rails مبدأ Convention over Configuration؛ أي أن النظام يفترض لك اختيارات منطقية بدلا من إجبارك على اتخاذ مئات القرارات الصغيرة في كل مشروع. وهذا بالضبط ما جعل بناء تطبيقات الويب أسرع بصورة لافتة في ذلك الوقت. شكرا لصديقي ديفيد هاينماير هانسون!

كنت مفتونا تحديدا بخاصية مثل scaffold. بأمر واحد تستطيع إنشاء أجزاء أساسية من التطبيق، من الـModels المرتبطة بالبيانات، إلى Controllers التي تدير المنطق والتفاعل، وصولا إلى Views التي يراها المستخدم. بالنسبة لي لم تكن المسألة مجرد توفير بعض ساعات البرمجة. كانت هناك فكرة أكبر خلفها: لماذا يجب على الإنسان أن يخبر الكمبيوتر بكل خطوة، إذا كان الكمبيوتر يستطيع استنتاج جزء كبير من هذه الخطوات بنفسه؟

وفي الفترة نفسها كانت تجربة Twitter الشهير مثالا مثيرا على السرعة التي أتاحت بها هذه الأدوات الانتقال من الفكرة إلى النموذج الأولي. بدأ العمل على Twitter في 2006، وبنى فريق صغير نموذجه الأولي خلال نحو أسبوعين باستخدام Ruby on Rails. الفكرة بالنسبة لي لم تكن Twitter تحديدا، وإنما ما يعنيه ذلك: الحاجز بين «لدي فكرة» و«لدي منتج يعمل» بدأ يتقلص بصورة كبيرة.

ثم رأيت الفكرة نفسها في عالم PHP مع Laravel. ومرة أخرى لم تكن القيمة في لغة البرمجة وحدها، وإنما في الطبقة التي توضع فوقها لتختصر التفاصيل المتكررة وتسمح للمطور بالتركيز على ما يريد بناءه. وهنا بدأت تتشكل لدي قناعة مبكرة:

إذا كانت أطر البرمجة قادرة على اختصار عشرات ومئات الأوامر إلى عدد قليل منها، فلماذا لا نصل يوما إلى مرحلة أخبر فيها الكمبيوتر بما أريد، ويتولى هو تحديد كيف ينفذه؟

وهذا تقريبا ما كتبته وما قصدته في ذلك التعليق عام 2020 عندما وصفت بناء الحلول الإلكترونية بأنه قد يتحول إلى «أوامر بسيطة». لم أكن أعرف كلمة Prompt بمعناها الشائع اليوم، ولم تكن أمامي ChatGPT أو Claude أو Codex أو بقية المنصات الحالية. لكن الفكرة الأساسية كانت موجودة: أن اللغة الطبيعية قد تصبح طبقة جديدة بين الإنسان والآلة. واليوم، في 2026، أجد أننا تجاوزنا حتى تلك الفكرة.

لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتب لك مقطعا من الكود ثم يتركك لتكمل العمل. وكلاء البرمجة الحاليون يستطيعون قراءة مستودعك البرمجي على Github ليفهم المشكلة، ويضع خطة، ويعدل الملفات، ويشغل الأوامر والاختبارات، ويكتشف الأخطاء، ثم يعيد المحاولة. بعضهم يستطيع العمل في بيئة سحابية مستقلة بينما يقوم الإنسان بعمل آخر. GitHub، على سبيل المثال، أصبح يقدم وكلاء يعملون في بيئات تطوير خاصة بهم وينفذون المهمة ويجرون الاختبارات ثم يعيدون التغييرات للمراجعة. وCodex وصل إلى تنفيذ مهام هندسية متكاملة والعمل عبر عدة وكلاء بالتوازي.

الأكثر إثارة بالنسبة لي أن الدائرة عادت إلى النقطة التي بدأت منها.

Rails قالت لنا قبل سنوات: لا تضيع وقتك في اتخاذ القرارات المتكررة، سنفترضها عنك.

والذكاء الاصطناعي يقول لنا اليوم شيئا أكبر: أخبرني بالنتيجة التي تريدها، وسأبحث عن الطريق إليها.

لكن إذا كان توقعي في 2020 قد تحقق إلى حد كبير، فالسؤال الممتع الآن هو: ماذا سأستشرف مستقبلا للمرحلة التالية؟

أعتقد أننا قد نشهد قريبا ثلاثة تحولات أكبر مما نراه اليوم بكثير.

الأول: سننتقل من البرمجة بالـPrompt إلى البرمجة بالهدف.

اليوم ما زلنا نشرح للذكاء الاصطناعي كثيرا مما نريده. نكتب Prompt، ثم نراجعه، ونطلب تعديلات، ونصحح الأخطاء. المرحلة التالية ستقل فيها هذه التفاصيل. سأقول مثلا: «أريد منصة لإدارة مؤتمر دولي يستقبل عشرة آلاف مشارك، متعددة اللغات، متوافقة مع الهوية الحكومية، وقادرة على التكامل مع أنظمة التسجيل والدفع»، ثم تبدأ مجموعة من الوكلاء في تحليل المتطلبات وتصميم المعمارية وبناء قاعدة البيانات والواجهات والاختبارات والتوثيق والنشر.

لن يكون الـPrompt نفسه هو المهارة الأهم. صياغة الهدف والقيود ومعايير النجاح ستكون هي المهارة.

وبالمناسبة فهذا التحول بدأ فعليا؛ حيث تعمل الآن OpenAI على وصف تجارب هندسية أصبح فيها الإنسان يحدد الاتجاه بينما يتولى الوكلاء التنفيذ، ووصل أحد تجاربها الداخلية إلى بناء منتج كامل دون كتابة الكود يدويا، مع تقدير الفريق أن العمل تم في نحو عُشر الزمن التقليدي.

الثاني: لن يكون لدينا مبرمج ذكاء اصطناعي واحد، وإنما فريق كامل من الوكلاء.

وكيل يحلل المتطلبات، وآخر يبني الواجهة، وثالث يتولى قاعدة البيانات، ورابع يختبر الأمن، وخامس يبحث عن الأخطاء، وسادس يراجع تجربة المستخدم. الإنسان لن ينتقل بين ملفات الكود بقدر ما سينتقل بين القرارات. وهذا أيضا لم يعد مجرد تصور نظري. الأدوات الحالية بدأت بالفعل تدعم تشغيل عدة وكلاء بالتوازي، وGitHub يتحدث عن بيئات Agent-first، بينما ظهرت أنظمة orchestration توزع المهام على وكلاء متعددين وتعيد النتائج إلى الإنسان للمراجعة.

أما التحول الثالث، وهو الأكبر، فستتوقف البرمجة نفسها عن كونها حاجزا أمام بناء المنتجات الرقمية.

سيظل المهندس المحترف ضروريا للأنظمة المعقدة والحساسة، ولكن ملايين الأفكار التي لم تكن ترى النور لأن أصحابها لا يعرفون البرمجة ستصبح قابلة للبناء. سنرى مدير التسويق يبني أداته الخاصة، والإعلامي يبني منصة الرصد التي يحتاجها، والطبيب يبني تطبيقا صغيرا يناسب إجراءات عيادته، والباحث يبني نظام تحليل بياناته، وصاحب المنشأة يبني نظاما داخليا بدلا من انتظار أشهر للحصول عليه.

وقد كتبت قبل فترة مقالا بهذا الخصوص بعنوان: حوّل الذكاء الإصطناعي إلى قيمة , تناولت فيه كيف يمكن الاستفادة من قوة الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى فرص حقيقية لزيادة التنافسية وتنمية الأعمال والقدرات.

وهنا قد يتغير تعريف «المطور» نفسه. فلن تكون القيمة الأعلى لمن يستطيع كتابة أكبر عدد من أسطر الكود. القيمة ستنتقل تدريجيا إلى من يستطيع تعريف المشكلة بصورة أفضل، وتصميم الحل، وتحديد القيود، والحكم على جودة الناتج، وتحمل مسؤولية القرار النهائي.

وهذا يعيدني إلى تعليقي الصغير في موقع أرقام الاقتصادي عام 2020.

حيث كنت أعتقد أن العمر الافتراضي للمعرفة التقنية سيتقلص، وأن كل تقنية جديدة نتعلمها ستأتي أخرى بعدها بسرعة أكبر. لكنني ربما لم أنتبه وقتها إلى النتيجة الأهم: إذا أصبحت التقنية نفسها سريعة التغير إلى هذه الدرجة، فإن أفضل استثمار للإنسان لن يكون حفظ الأدوات، وإنما تعلم كيف يفكر فوق مستوى الأداة.

تعلمت Ruby، ثم Rails، وتابعت PHP وLaravel وغيرها. اليوم أستخدم الذكاء الاصطناعي، وغدا ستظهر أدوات أقوى من الأدوات التي نستخدمها الآن. الأسماء ستتغير بالتأكيد.

لكن تلك الفكرة التي أثارت اهتمامي قبل سنوات لم تزل مستمرة لليوم: كل جيل من التقنية يطلب من الإنسان تفاصيل أقل، ويمنحه قدرة أكبر على التعبير عن مقصده. بدأنا بإعطاء الكمبيوتر التعليمات سطرا بعد سطر. ثم أعطيناه الأطر والقواعد. ثم بدأنا نتحدث إليه بلغتنا. والمرحلة المقبلة، في تصوري، أن نعطيه الهدف... وننشغل نحن وقتها فقط بالسؤال الأصعب: هل اخترنا الهدف الصحيح أصلا؟