لو قابلت نفسك قبل عشر سنوات، هل سيعتقد ذلك الشخص أنك لم تحقق شيئا؟

تخيل أنك جلست معه لبعض الوقت، مع نسختك القديمة بكل ما كانت تحمله من أحلام ومخاوف وأسئلة. أخبرته أين أصبحت اليوم، وما الذي تعلمته، وأين عملت، ومن عرفت، وما التجارب التي مررت بها، والأماكن التي وصلت إليها، والأشياء التي استطعت تجاوزها، والقرارات التي أصبحت قادرا على اتخاذها، ثم قلت له بعد كل ذلك إنك تشعر أحيانا أنك لم تصل إلى شيء. ربما سينظر إليك باستغراب، لأن جزءا مما تعتبره اليوم عاديا كان بالنسبة إليه حلما بعيدا.

وهذه واحدة من مفارقات الحياة؛ أننا نتذكر جيدا ما لم نحصل عليه، لكننا نعتاد بسرعة ما حصلنا عليه. نصل إلى الشيء الذي انتظرناه طويلا، نفرح به، ثم لا يلبث أن يدخل في تفاصيل حياتنا اليومية حتى نفقد إحساسنا بقيمته. الوظيفة التي تمنيناها تصبح عملا نذهب إليه كل صباح، والشهادة التي سهرنا من أجلها تصبح سطرا في السيرة الذاتية، والمهارة التي كنا نتمنى إتقانها نمارسها اليوم دون أن نتذكر كم كنا نجهلها، والمكان الذي حلمنا بالوصول إليه يصبح جزءا من المشهد المعتاد. حتى بعض الأشخاص الذين كان مجرد لقائهم يبدو لنا إنجازا، يصبح الحديث معهم بعد سنوات أمرا طبيعيا. وكأن أحلامنا حين تتحقق تفقد تلقائيا صفة الحلم.

ربما لهذا السبب نشعر أحيانا بأننا لم ننجز ما يكفي. فنحن ننظر إلى الأمام أكثر مما ننظر إلى الخلف. نسأل أنفسنا: ماذا بقي؟ ماذا ينقصني؟ ما الخطوة التالية؟ لماذا لم أصل إلى هناك؟ ومن سبقني؟ ولا نسأل بالقدر نفسه: من أين بدأت؟ وكم قطعت؟ وما الذي كان يبدو مستحيلا وأصبح اليوم جزءا عاديا من حياتي؟

ولا يعني هذا أن نتوقف كل صباح لنعدد إنجازاتنا أو نقنع أنفسنا بأن ما وصلنا إليه يكفي. فالطموح جميل، والرغبة في المزيد جزء من حركة الحياة، لكن هناك فرقا بين أن تريد المزيد وبين أن تقلل من قيمة ما لديك لأنك تريد المزيد. تستطيع أن تكون ممتنا وطموحا في الوقت نفسه، وأن تقول: الحمد لله على ما تحقق، وما زال أمامي الكثير. فالرضا لا يعني التوقف، كما أن الطموح لا ينبغي أن يتحول إلى جحود مستمر لكل ما أنجزناه.

والحقيقة أن المسافة التي قطعناها لا تقاس فقط بالأشياء التي حصلنا عليها. هناك مسافات أخرى حدثت داخلنا. نحن لسنا الأشخاص أنفسهم الذين بدأوا الرحلة. تغيرت أفكارنا، وتبدلت أولوياتنا، وتعلمنا من أخطائنا، وأصبحنا أهدأ أمام أشياء كانت تربكنا، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات كانت تبدو صعبة. وربما أصبحنا أقل اندفاعا وأكثر فهما لأنفسنا وللآخرين. وهذه التحولات لا تظهر دائما في السيرة الذاتية، ولا يمكن تعليقها على جدار، لكنها قد تكون أهم ما كسبناه في الطريق.

حتى الأشياء التي لم تنجح كانت جزءا من هذه الرحلة. الوظيفة التي لم تستمر، والمشروع الذي تعثر، والعلاقة التي انتهت، والقرار الذي لم يكن موفقا، والطريق الذي اكتشفنا متأخرين أنه لم يكن مناسبا لنا. نميل إلى وضع هذه الأشياء في خانة الوقت الضائع، لكننا لو عدنا إليها بعد سنوات ربما اكتشفنا أنها أعطتنا شيئا لم نكن سنحصل عليه بالطريق المستقيم. تجربة فاشلة علمتنا ما لم يكن سيعلمنا إياه نجاح سهل، وطريق خاطئ عرفنا من خلاله ما الذي لا نريده، وعلاقة انتهت علمتنا شيئا عن أنفسنا، وقرار ندمنا عليه جعل قراراتنا التالية أكثر نضجا. ليست كل الطرق الالتفافية وقتا ضائعا، وبعض المسافات لا تقاس بمقدار ما قربتنا من الهدف، وإنما بما فعلته في الشخص الذي كان يسير فيها.

ثم إن بعض الأحلام التي لم نحققها لم تعد أحلامنا أصلا. وهذه حقيقة لا نعترف بها كثيرا. قد نتمسك بقائمة كتبناها لأنفسنا قبل عشر أو عشرين سنة، ونحاسب أنفسنا اليوم على أشياء أرادها شخص لم نعد نحن هو. لقد تغيرنا، ومن الطبيعي أن تتغير معنا رغباتنا. هناك أشياء كنا نعتقد أنها قمة النجاح ثم فقدت بريقها، وأشياء لم نكن نلتفت إليها أصبحت اليوم أثمن ما نريد. قد يكون الحلم في مرحلة ما منصبا أو شهرة أو مالا، ثم يصبح مع الوقت استقلالا أو وقتا أو راحة بال أو عائلة مستقرة أو القدرة على اختيار كيف نقضي أيامنا. بعض الأحلام التي لم نحققها لم نفشل فيها؛ نحن ببساطة تجاوزناها.

ومع ذلك، فإن شعور التأخر لا يختفي بسهولة، خصوصا في زمن أصبحت فيه حياة الآخرين حاضرة أمامنا طوال الوقت. يكفي أن تفتح هاتفك لدقائق حتى تجد شخصا أصغر منك وصل إلى منصب أعلى، وآخر أسس مشروعا ناجحا، وثالثا حصل على شهادة، ورابعا يسافر، وخامسا يشتري منزلا، وسادسا يحتفل بإنجاز جديد. وفي نهاية جولة قصيرة بين أخبار الآخرين، يستطيع إنسان حقق الكثير في حياته أن يغلق هاتفه وهو يشعر بأنه متأخر.

لكن المشكلة أن المقارنة هنا غير عادلة منذ البداية. نحن نقارن حياتنا كاملة بلحظات منتقاة من حياة الآخرين، ونقارن نقطة في طريقنا بنقطة مختلفة تماما في طريق شخص آخر. لكل إنسان نقطة بداية وظروف وفرص وخسارات ومسؤوليات لا تظهر في الصورة. لذلك ربما تكون المقارنة الأكثر إنصافا هي أن تقارن نفسك بنفسك.

أين كنت قبل عشر سنوات؟ ماذا كنت تعرف؟ ما الأشياء التي كانت تخيفك؟ ما الذي كنت تتمناه؟ ما المشكلات التي كنت تظن أنها لن تنتهي ثم انتهت؟ وما الأشياء التي كنت تراها بعيدة وأصبحت اليوم قريبة إلى درجة أنك نسيت أنها كانت حلما؟

ربما ستكتشف عندها أن المشكلة لم تكن أنك لم تتحرك، وإنما أنك تحركت حتى اعتدت المكان الجديد.

ومن المفارقات أيضا أن نقطة الوصول نفسها لا تثبت في مكانها. عندما نكون في بداية الطريق نضع لأنفسنا محطة ونقول: عندما أصل إليها سأشعر أنني حققت ما أريد. ثم نصل، فنرى محطة أخرى. نحصل على الوظيفة فنريد المنصب، ونحقق رقما فنضع رقما أعلى، وننتهي من مشروع فنبدأ التفكير في المشروع التالي. تتحرك نقطة الوصول كلما اقتربنا منها، وربما لهذا لا تأتي تلك اللحظة الكبيرة التي نتخيل أننا سنقف فيها ونقول: الآن اكتملت الأمور. وربما لا ينبغي لها أن تأتي.

فماذا ستكون الحياة إذا لم يبق فيها شيء نريده أو نتعلمه أو ننتظره؟ ربما ليست المشكلة في أننا لم نصل، بل في تصورنا أن الحياة يفترض أن تحتوي على نقطة نهائية اسمها «الوصول». نحن في الحقيقة نعيش معظم أعمارنا في المنتصف؛ بين شيء تحقق وآخر لم يتحقق، بين شخص كنا عليه وشخص نحاول أن نصبحه، بين حلم قديم وحلم لم نكتشفه بعد.

والمنتصف ليس دائما مكانا مريحا. البداية تحمل حماسا، والنهاية تحمل فرحة الإنجاز، أما المنتصف ففيه العمل والتكرار والشك والتعب. قد تمر أيام طويلة لا تشعر فيها بأي تقدم، لكن معظم الحياة تحدث هناك. في الأيام العادية التي لا تحمل أخبارا كبيرة، وفي الخطوات الصغيرة التي لا يصفق لها أحد، وفي المحاولات التي تتراكم ببطء حتى نصبح بعد سنوات في مكان لم نشعر أننا وصلنا إليه.

لذلك ربما نحتاج بين فترة وأخرى إلى أن نتوقف قليلا وننظر خلفنا. لا لنعيش على الماضي، ولا لنتفاخر بما أنجزناه، وإنما لنستعيد المنظور. فالنظر إلى الأمام يمنحنا الطموح، لكن النظر إلى الخلف يمنحنا الامتنان، والإنسان يحتاج إلى الاثنين معا.

لو قابلت نفسك قبل عشر سنوات، وأخبرتها بكل ما حدث منذ ذلك اليوم حتى الآن، ربما ستندهش من أشياء نسيتها أنت، وستفرح بأشياء أصبحت بالنسبة إليك عادية، وربما ستذكرك بأحلام قديمة وتضحك معك على مخاوف كنتما تظنان أنها نهاية العالم. وقد تخبرها أيضا أن هناك أشياء لم تتحقق، وأن بعض الطرق لم تكتمل، وأن بعض الأحلام تغيرت، وأن هناك الكثير مما لا تزال تريده. ولا بأس في ذلك.

فليس المطلوب أن نصل إلى نهاية الطريق، بل أن نعرف أننا نسير. وما دام في العمر شيء نطمح إليه، وشيء نتعلمه، ومكان لم نره، وفكرة لم نكتشفها، وحلم لم يخطر لنا بعد، فربما يكون عدم الوصول جزءا جميلا من الرحلة نفسها.

نحن نقسو على أنفسنا لأننا ننظر دائما إلى المسافة المتبقية أمامنا، بينما تقف خلفنا مسافات طويلة قطعناها ثم نسينا مشقتها. ولو التفتنا إليها بين حين وآخر، فقد نعامل أنفسنا بشيء أكبر من الإنصاف. ما وصلنا بعد، وهذا ليس سيئا, فما زال أمامنا طريق.

لكننا بالتأكيد لم نعد في البداية.