إن اختيار الوقت المناسب للمشروع قد يكون في بعض الحالات بأهمية المشروع نفسه، لأن الطريق ليس مساحة هندسية معزولة، وإنما جزء من حياة الناس اليومية، وأي إغلاق أو تحويلة فيه تنعكس مباشرة على آلاف المستخدمين.

قبل فترة لفت انتباهي ما حدث في طريق الكورنيش بإحدى المدن الساحلية. فالطريق حيوي، لكن استخدامه خلال الصيف ينخفض نسبيا مع سفر كثير من السكان وقضاء إجازاتهم خارج المدينة. كانت تلك -في تقديري- فرصة مناسبة لإنجاز جزء كبير من الأعمال بأقل تأثير ممكن على الحركة. لكن عند انتهاء الإجازة ، وعودة الناس من سفرهم، واقتربت بداية السنة الدراسية، ظهرت الحواجز وبدأت الأعمال بالتزامن مع اليوم الأول للعام الدراسي!! وهذا ما يجعلني أتساءل: لماذا اختير هذا التوقيت تحديدا، بينما كانت هناك فترة سابقة يمكن أن يكون فيها أثر المشروع أقل على الناس؟

المشروع مطلوب، والصيانة مطلوبة، والتطوير محل تقدير، لكن التخطيط الجيد لا يتعلق بما سننفذه فقط، وإنما بمتى وكيف ننفذه. المدن لها إيقاعها السنوي المعروف، وهناك أوقات ترتفع فيها الحركة وأخرى تنخفض. بداية الدراسة معروفة، والإجازات معروفة، والمواسم السياحية معروفة، وكذلك رمضان والعيدان والفعاليات الكبرى ومواسم الحج والعمرة في المناطق التي تتأثر بها. معظم هذه التواريخ يمكن معرفتها قبل أشهر، وبعضها قبل سنوات، فلماذا لا تصبح جزءا أساسيا من تخطيط مشاريع الطرق والبنية التحتية؟

هناك مثال آخر لطريق رئيسي في المملكة يصل بين مدينتين، وكل تحويلة فيه قد تستغرق ستة أشهر أو أكثر. وفي تقديري أن ستة أشهر مدة طويلة جدا بالنسبة إلى تحويلة واحدة، خصوصا عندما نتحدث عن طريق يستخدمه آلاف الأشخاص يوميا. وبحسب معرفتي، يمكن في مثل هذه المدة وفي ظروف مناسبة تنفيذ طريق آخر بمساراته وجسوره وتفرعاته. لكن لنؤجل الحديث عن مدد تنفيذ مشاريع الطرق وكفاءة المقاولين إلى مقال آخر، لأن هذا الملف يستحق نقاشا مستقلا.

المشهد نفسه تكرر أمامي أثناء زيارة أحد مدن المصائف المهمة في المملكة. ففي ذروة الموسم السياحي، ومع وصول أعداد كبيرة من الزوار إلى المدينة، فوجئت بانطلاق الأعمال في ثلاثة مواقع على طريق حيوي واحد، فتضاعفت الاختناقات المرورية في مدينة تعاني طرقها بطبيعة الحال من ضغط موسمي خلال هذه الفترة. والسؤال هنا أيضا: لماذا في موسم الذروة؟ إذا كانت جاذبية المدينة السياحية تتركز في فترة محددة من السنة، فما الذي يمنع من تنفيذ هذه الأعمال خلال الأشهر الأخرى؟ ولماذا نعالج مشكلة في الطريق بطريقة تخلق مشكلة أكبر لمستخدميه؟

قد تكون هناك بالطبع اعتبارات فنية أو تعاقدية أو مالية لا يعرفها مستخدم الطريق، وقد تفرض بعض المشاريع مواعيد معينة لا يمكن تغييرها. لكن عندما تتكرر مثل هذه المشاهد، يصبح من الضروري التفكير في مفهوم أوسع لإدارة مشاريع البنية التحتية، بحيث تدخل حياة المدينة نفسها ضمن معايير التخطيط. فنجاح المشروع لا ينبغي أن يقاس فقط بجودة الإسفلت أو الجسور أو نسبة الإنجاز، وإنما أيضا بقدرة الجهة المنفذة على تقليل أثر المشروع على الناس.

ولعل البداية تكون من إعداد تقويم سنوي لأعمال الطرق في كل مدينة، تحدد فيه مسبقا فترات الذروة المرورية والسياحية والدراسية والفعاليات الكبرى، وتصنف الطرق بحسب أهميتها وحساسيتها، بحيث تعطى الأولوية لتنفيذ الأعمال الثقيلة في الفترات الأقل استخداما، ويصبح إغلاق طريق حيوي في موسم الذروة استثناء يحتاج إلى مبرر، لا ممارسة عادية.

كما أعتقد أن الوقت قد حان لأن تتغير طريقة تقييم مقاولي مشاريع الطرق. فالمقاول الذي ينفذ المشروع بالمواصفات المطلوبة لكنه يبقي تحويلة مرورية قائمة ستة أشهر ليس كالمقاول الذي ينجزها خلال أسابيع. مدة إغلاق المسار، وسرعة إعادة الطريق إلى الخدمة، وجودة إدارة الحركة أثناء التنفيذ يجب أن تصبح مؤشرات أداء رئيسية في العقود. فالوقت الذي يخسره آلاف المواطنين يوميا في الازدحام له قيمة، حتى وإن لم يظهر مباشرة في تكلفة المشروع.

أما الجانب الثالث فهو الشفافية. إذ سيكون مفيدا أن تمتلك كل مدينة خريطة أو لوحة رقمية معلنة لمشاريع الطرق يستطيع المواطن والزائر من خلالها معرفة المشاريع المخطط لها، ومواعيد بدايتها ونهايتها، والمسارات المتأثرة، والتحويلات البديلة ونسب الإنجاز. عندما يعرف الناس مسبقا أن طريقا رئيسيا سيشهد أعمالا لمدة شهرين، يستطيعون التخطيط، وفي الوقت نفسه تصبح المدة المعلنة التزاما يمكن قياسه ومتابعته.

السؤال الذي أطرحه هنا لا ينتقص من الجهود الكبيرة المبذولة في تطوير الطرق والبنية التحتية في المملكة، بل على العكس، نحن نقدر هذا الاهتمام ونرى أثره في مدننا، وندرك أن استمرار الصيانة والتطوير ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. لكن بعض عمليات التنفيذ والمقاولات ما زالت تستغرق وقتا أطول مما يتوقعه مستخدم الطريق، ويزداد الأمر سوءا عندما تتزامن الأعمال مع أكثر فترات السنة ازدحاما.

الطريق في النهاية ليس مشروعا هندسيا فقط. هو طريق طالب إلى مدرسته، وموظف إلى عمله، ومريض إلى مستشفاه، ومسافر إلى مطاره، وزائر إلى وجهته، وأسرة إلى منزلها. ولهذا أتمنى أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها التقويم السنوي للمواطنين والزوار جزءا من التقويم التنفيذي لمشاريع المدن، وأن يصبح السؤال قبل وضع أول حاجز في الطريق: هل هذا هو الوقت المناسب فعلا؟ نريد الطرق الجديدة، ونريد الصيانة والتطوير، ونقدر كل مشروع يحسن مدننا، لكننا نريد أيضا أن تنجز هذه المشاريع في الوقت المناسب، وبالسرعة المناسبة، وبأقل أثر ممكن على حياة الناس. فالطرق لها مواسم أيضا.