لكن ما فاجأني أنني كلما قابلت صديقا أو زميلا أو شخصا يعرفني، كان بعضهم يذكر لي تلك العبارة، ويحدثني عن أثرها فيه، وكيف كانت هذه الكلمات البسيطة بمثابة مفتاح أمل له في بداية الأسبوع. وربما كان سرها في بساطتها، وفي حقيقة أننا جميعا، بطريقة أو بأخرى، نحتاج من حين إلى آخر إلى من يقول لنا: لا بأس، يمكنك أن تبدأ من جديد.

من لا يحب أن يفتح صفحة جديدة؟ صفحة جديدة في العمل، أو في علاقة، أو بعد تجربة لم تسر كما أردنا، أو بعد قرار اكتشفنا أنه لم يكن صائبا، وربما أجمل الصفحات الجديدة تلك التي نفتحها مع أنفسنا. فالإنسان لا يعيش حياته في خط مستقيم، نتخذ قرارات ثم نراجعها، نثق بأشخاص ونختلف معهم، ننجح ونخفق، نصيب ونخطئ، نقترب ونبتعد، ونصل أحيانا إلى مرحلة نتمنى فيها لو استطعنا العودة إلى الوراء وتغيير بعض ما فعلناه.

لكن العودة ليست ممكنة، وما نستطيعه فعلا هو أن نتعلم مما حدث ثم نقلب الصفحة.

ومع ذلك، يبدو أن قلب الصفحة أصعب مما نظن. فنحن نحمل معنا بعض الأخطاء سنوات طويلة، ونستدعي مواقف انتهت منذ زمن، ونحاسب أنفسنا اليوم على قرارات اتخذناها بمعرفة الأمس وظروفه. والغريب أننا قد نستطيع تفهم خطأ صديق، وأن نجد عذرا لمن نحب، وأن نقبل اعتذار شخص أخطأ في حقنا، ثم نقف أمام أخطائنا نحن فنصبح أشد القضاة قسوة. لماذا نقسو على أنفسنا إلى هذا الحد؟ ولماذا نصر على إبقاء بعض أخطائنا حية حتى بعد أن تعلمنا منها وتغيرنا بسببها؟

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُل يا عِبادِيَ الَّذينَ أَسرَفوا عَلى أَنفُسِهِم لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا﴾. فدائما ما أتوقف كثيرا أمام كلمة «لا تقنطوا»؛ حيث أرى فيها مساحة هائلة للأمل. الإنسان قد يخطئ، وقد يسرف على نفسه، ومع ذلك يبقى باب العودة مفتوحا. فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد فتح لعباده باب التوبة والمغفرة، فكيف نغلق نحن هذا الباب في وجوه بعضنا؟ وكيف نسأل الله أن يغفر لنا، ثم نستكثر المغفرة أحيانا على الآخرين؟ وكيف نرجو منه سبحانه أن يتجاوز عما مضى، بينما نظل نحن نعاقب أنفسنا على شيء مضى؟

ربما لهذا فإن البدء من جديد ليس دليلا على الفشل كما نتصور أحيانا، وإنما قد يكون واحدا من أكثر القرارات نضجا. أن تعترف بأن طريقا اخترته لم يكن مناسبا، أو أن قرارا اتخذته لم يكن موفقا، أو أن تجربة لم تنجح ولا بأس في إعادة المحاولة، كل ذلك يحتاج إلى شجاعة. وكلما تقدم الإنسان في العمر والخبرة أصبح البدء من جديد أصعب؛ لأننا نعتاد أن نكون في المكان الذي نعرفه، وأن نجيد ما نفعله، وأن تكون لدينا الإجابات. لكن الحياة لا تعد أحدا منا بأن يبقى دائما في المكان الذي يتقنه، وأحيانا يكون أجمل ما نفعله لأنفسنا أن نقبل بأن نبدأ مرة أخرى.

والحقيقة أننا لا نعود إلى نقطة الصفر فعليا. فعندما تبدأ مرة أخرى، تبدأ ومعك تجربة لم تكن لديك في المرة الأولى. تعرف ما الذي نجح وما الذي لم ينجح، وتعرف نفسك أكثر، وتفهم الناس بطريقة أفضل، وتصبح أكثر قدرة على تمييز ما يستحق وقتك وما ينبغي أن تتركه خلفك. قد تعود إلى بداية الطريق، لكنك لا تعود إليه بالشخص نفسه الذي دخله أول مرة.

وإذا كنا نطالب بهذا الحق لأنفسنا، فمن العدل أن نمنحه للآخرين أيضا. شخص أخطأ ثم تغير، موظف أخفق في تجربة، صديق صدر منه موقف لم يعجبنا، أو إنسان عرفناه في مرحلة معينة ثم التقيناه بعد سنوات وقد تغيرت حياته وأفكاره وظروفه. لماذا نصر أحيانا على إبقاء الناس داخل الصور القديمة التي رسمناها لهم؟ نريد من الآخرين أن يعترفوا بأننا نضجنا وتغيرنا، لكننا قد نحرمهم من الحق نفسه، ونظل نحاكمهم على نسخة قديمة منهم لم تعد موجودة.

وبالتأكيد، إعطاء صفحة جديدة لا يعني السذاجة. أن تسامح لا يعني أن تنسى الدرس، وأن تمنح فرصة أخرى لا يعني أن تعيد الثقة بالطريقة نفسها، وأن تبدأ من جديد لا يعني أن تتصرف وكأن شيئا لم يحدث. هناك تجارب تعلمنا أن نضع حدودا، وهناك مواقف تغير نظرتنا إلى الأشخاص، وهذه أيضا جزء من التعلم. المغفرة لا تلغي الحكمة، والصفحة الجديدة لا تشترط أن نمزق الصفحة السابقة.

وهذه ربما أكثر فكرة أحبها في هذا التعبير: الصفحة الجديدة لا تمحو الكتاب. كل الصفحات السابقة موجودة، وهي جزء من قصتنا؛ فيها أخطاؤنا ونجاحاتنا، وفيها أشخاص أحببناهم وآخرون خذلونا، وفيها طرق كان من الأفضل ألا نسلكها، وتجارب ربما نتمنى لو لم تحدث. لكنها حدثت، وأصبحت جزءا من معرفتنا بأنفسنا وبالحياة. المشكلة ليست في وجود الصفحة القديمة، وإنما في أن نسمح لها بكتابة كل الصفحات التي بعدها.

ربما لهذا كنت أحب أن أبدأ الأسبوع بعبارة «أسبوع جديد، وصفحة جديدة». لم تكن دعوة إلى نسيان الأسبوع الماضي، وإنما إلى ألا نحمله معنا أكثر مما ينبغي. واليوم أجد أن معناها أكبر من مجرد بداية أسبوع. فكل صباح يمنحنا صفحة جديدة، وكل عام يفعل ذلك، وكل اعتذار صادق يمكن أن يفتح صفحة، وكل مصالحة، وكل قرار بالتغيير، وكل محاولة تأتي بعد إخفاق. وليس ضروريا أن تكون البداية الجديدة حدثا كبيرا؛ ربما تبدأ بمكالمة مؤجلة، أو باعتذار، أو بعادة نتوقف عنها، أو خطوة صغيرة نقرر أخيرا أن نخطوها.

وربما هناك إنسان أخطأ في حقك ويستحق منك اليوم صفحة جديدة. وربما هناك شخص أخطأت أنت في حقه وتحتاج إلى أن تطلب منه ذلك. وربما تكون أنت نفسك الشخص الذي يحتاج منك إلى فرصة أخرى. خطأ ارتكبته قبل سنوات، أو قرار ندمت عليه، أو تجربة أخفقت فيها، وتجاوزتها الحياة وتغيرت بعدها، لكنك ما زلت تستدعيها كلما أردت أن تحاكم نفسك.

سامح نفسك أيضا. ليس لكي تبرر الخطأ أو تتنصل من مسؤوليته، وإنما لكي تأخذ منه ما يستحق أن تتعلمه، ثم تتركه في مكانه الصحيح: في الصفحة التي حدث فيها.

فنحن نسأل الله دائما أن يغفر لنا ما مضى، ونرجوه أن يصلح لنا ما بقي. ولعل من جميل هذا الرجاء أن نتعلم نحن أيضا شيئا من الرحمة؛ بأنفسنا، وبالآخرين، وبمحاولاتنا التي لم تنجح من المرة الأولى.

لهذا ما زلت أحب تلك العبارة البسيطة التي كنت أكتبها في بداية الأسبوع: «أسبوع جديد، وصفحة جديدة». وربما لو عدت إلى كتابتها اليوم، فسأقصد بها أكثر بكثير مما كنت أقصده آنذاك.

فالكتاب لم ينته بعد، وما دامت هناك صفحات لم تكتب، فهناك دائما فرصة لأن تكون الصفحة القادمة أجمل.

فمن لا يحب أن يفتح صفحة جديدة؟