ثمة حروب لا تبدأ بإعلان رسمي، ولا تحتاج إلى أن تتحرك الجيوش أو تعبر الطائرات الحدود حتى نشعر باقترابها. يكفي أن تتصاعد التصريحات، وتتلاحق التهديدات، وتتحول نشرات الأخبار إلى عد تنازلي لمواجهة محتملة، حتى يصبح العالم بأسره أسير حرب لم تبدأ بعد. وربما كانت هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في عالمنا المعاصر،
للأوطان أوقات تختبر فيها قوتها، وتظهر فيها معادن شعوبها، وتثبت فيها أن ما بنته على مدى عقود لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة رؤية وعزيمة وعمل. ونحن اليوم نعيش واحدة من تلك الأوقات، لا لنخشى ما يأتي، بل لندرك حجم ما نملك من أسباب القوة، ونزداد ثقة بوطننا ومستقبله.
في اليوم الوطني السادس والتسعين للمملكة العربية السعودية، لا يبدو الاحتفاء بالوطن بالنسبة لي مجرد مناسبة نستعيد فيها ذكرى التأسيس والتوحيد، ولا يوما تتزين فيه المدن بالأعلام وتزدحم فيه الشوارع بمشاعر الفرح والانتماء، بل هو فرصة للتوقف أمام سؤال أكبر بكثير من المناسبة نفسها:
منذ سنوات طويلة، وأنا أحمل قناعة بأن واحدة من أهم الحروب التي يجب أن يخوضها عالمنا العربي هي حرب التنمية. بدأت علاقتي بهذه الفكرة مبكرا. خلال دراستي الجامعية كانت هناك مادة اسمها «التنمية في العالم العربي»، دخلت محاضرتها الأولى متثاقلا، لا أعرف ما الذي يمكن أن تقوله لي مادة بهذا الاسم. لكن ما إن بدأ المحاضر في شرح فكرتها والحديث عن الكتاب المقرر، وعن أسباب تقدم الدول وتأخرها، حتى وجدت نفسي مشدودا إليها. عُدتُ يومها وبدأت قراءة الكتاب، ومن شدة الشغف أنهيته في اليوم نفسه. حتى خرجت من تلك المادة بفكرة بقيت معي حتى اليوم: إذ لا توجد، في تقديري، دولة عربية متواضعة حقا في مقوماتها.
خلال أيام قليلة تنطلق النسخة الجديدة من مؤتمر LEAP 2026، ومع كل نسخة من المؤتمر تتأكد الفكرة أن ليب باعتباره مؤتمرا تقنيا كبيرا يقام في المملكة أكبر من أن يصنف كحدث عادي أو فعالية سنوية. فالقيمة التي تحققت من هذا الحدث خلال سنواته المعدودة الماضية أكبر من أن يتم قياسها بمختلف أدوات القياس التقليدية.
من الجيد أن نرى مشاريع الطرق والبنية التحتية تتوسع في مدننا، وأن نشاهد أعمال التطوير والصيانة مستمرة، فهذا في النهاية استثمار لبلادنا في جودة الحياة وسلامة الناس وكفاءة المدن. وهذا ما نحمد الله ونشكره عليه، لكن هنالك جانب أعتقد أنه يحتاج إلى اهتمام أكبر من الأمانات والبلديات والجهات المشرفة على هذه المشاريع هو: توقيت تنفيذ الأعمال.
منذ فترة طويلة لم أرى إعلانا ملهما مصنوع بحبكة مثل إعلان مدينة القدية «اللعب يحيينا». هناك إعلانات تبيع منتجا، وإعلانات تروّج لمكان، وهناك إعلانات تتجاوز كل ذلك لتحاول أن تزرع فكرة وشعورا في ذهنك. وهذا الإعلان ينتمي في رأيي إلى النوع الأخير؛ فهو لا يحاول إقناعنا بزيارة القدية عبر استعراض منشآتها ومشروعاتها وألعابها بقدر ما يبدأ من سؤال أكثر عمقا: ماذا لو لم يكن اللعب مجرد نشاط نمارسه، بل جزءا أصيلا من تكويننا؟