يكفي أن تنظر إلى خريطة عالمنا العربي؛ طاقة ومعادن، بحار وموانئ، أراض زراعية، مواقع إستراتيجية، تاريخ وسياحة، شمس ورياح، وأسواق شابة، وفوق ذلك كله الإنسان. المشكلة إذن ليست دائما فيما نمتلك، وإنما فيما نصنع بما نمتلك.
وبين المورد والقيمة تأتي الموهبة الإدارية القائمة على مبادئ الإدارة الرشيدة؛ تلك القادرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى مركز لوجستي، والثروة الطبيعية إلى صناعة، والشباب إلى رأس مال بشري، والتاريخ إلى سياحة، ورأس المال إلى استثمار، والفرصة إلى قيمة مضافة تدخل دورة الاقتصاد العالمي. وربما لهذا السبب أتابع باهتمام ما يحدث اليوم في سوريا. فبعد حرب ظالمة شنها النظام البائد على شعبه، وبلد أنهكته سنوات طويلة من الدمار والنزوح والتراجع الاقتصادي، أرى أن السؤال الأهم أمام السوريين اليوم لم يعد ماذا حدث بالأمس وإنما: ماذا سنصنع غدا؟ والمشاهد القادمة من سوريا تحمل إشارات تستحق التفاؤل؛ محاولات لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير الخدمات الحكومية، ورقمنة الأعمال، وإصلاح بيئة الاستثمار، وفتح البلاد أمام الشراكات ورؤوس الأموال.
وفي مقدمة هذه التحركات تأتي الشراكة السعودية السورية المتنامية. عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وقعت بين الجانبين في قطاعات مختلفة، ومشروعات مثل Silklink الذي تقوده مجموعة stc لتطوير البنية الرقمية والاتصالات، إلى جانب شراكة علم في مجال الخدمات الحكومية الرقمية ونقل المعرفة وتأهيل الكفاءات. ثم تتسع الدائرة لشراكات عربية ودولية أخرى، ومنها استثمارات كبيرة في قطاع الطاقة يقودها تحالف بقيادة شركة قطرية، وغير ذلك الكثير، في قطاعات تعد من أهم مفاتيح استعادة الاقتصاد السوري لعافيته. وهنا لا أتحدث عن قيمة العقود بقدر ما أتحدث عن تغير الاتجاه. من الحرب إلى الاقتصاد. ومن الدمار إلى البناء. ومن الهجرة إلى الاستثمار. ومن إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.
وهذا يذكرني بحديث سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2018 عندما تحدث عن طموحه لمستقبل المنطقة وقال: «هذه حرب السعوديين، هذه حربي التي أخوضها شخصيا، ولا أريد أن أفارق الحياة إلا وأرى الشرق الأوسط في مقدمة مصاف العالم». نعم هي حرب مختلفة؛ حرب الاقتصاد والتنمية وجودة الحياة. وربما يفسر ذلك جانبا من الحضور السعودي اليوم في سوريا. فالرؤية التي تريد منطقة مزدهرة لا يمكن أن تنظر إلى التنمية باعتبارها مشروعا محليا ينتهي عند الحدود. كل دولة عربية مستقرة ومنتجة ومزدهرة تضيف إلى استقرار المنطقة وقوتها.
لقد شهد عالمنا العربي للأسف خلال عقود نماذج بَنَت نفوذها على الفوضى، وتغذّت على الانقسامات، واستثمرت في الأزمات. وفي المقابل، بدأت تظهر نماذج أخرى تريد بناء نفوذها من الاقتصاد والاستثمار والتقنية والسياحة وجودة الحياة. وأعتقد أن الصراع الحقيقي على مستقبل المنطقة والعالم سيكون بين هذين النموذجين. من يهدم أكثر؟ ومن يبني أفضل؟
لذا أرى أن أفضل مواجهة لمشروع الفوضى ليست بمشروع فوضى آخر، وإنما بمشروع يجعل الحياة نفسها أكثر جاذبية. مدينة آمنة، وظيفة جيدة، مدرسة وجامعة أفضل، مستشفى محترم، مصنع جديد، إنترنت سريع، حكومة يستطيع المواطن إنهاء معاملته معها من هاتفه، واقتصاد يستطيع الشاب أن يؤسس داخله شركته، والأسرة أن ترى فيه مستقبلا لأبنائها.
هذه التفاصيل اليومية الهادئة قد لا تصنع الضجيج الذي تصنعه الحروب، لكنها تصنع الدول. ولذلك لا ينبغي أن تبقى سنغافورة ورواندا وغيرها قصصا نقرأ عنها ونسأل: كيف فعلوا ذلك؟ فالتنمية ليست حكرا على أحد. ومن حق سوريا، ومن حق أي دولة عربية أخرى، أن تصنع تجربتها الخاصة وأن تضرب بسهم في سوق التنمية العالمية. لأننا بحاجة إلى مزيد من قصص النجاح العربية؛ ولأن كل اقتصاد عربي ينهض يعني وظائف أكثر، وفقرا وبطالة أقل، وهجرة أقل، وطبقة وسطى أكبر، وتعليما أفضل، وفرصا أوسع أمام الشباب، ومجتمعا أكثر استقرارا.
والتنمية لا تمنح الشعوب حياة أفضل فقط، وإنما تمنح الدول قوة أكبر. فالدولة التي تمتلك اقتصادا قويا، وشركات ناجحة، وتقنية متقدمة، ورأس مال بشريا متميزا، وشبكة مصالح اقتصادية مع العالم، يصبح صوتها أعلى وموقعها في صناعة القرار أقوى، وكرسيها على طاولة العالم أثقل. لكنني، رغم كل ما يمكن الحديث عنه من استثمارات واتفاقيات وبنية تحتية ورقمنة، أعتقد أن أكبر أسباب تفاؤلي بسوريا هو على المواطن السوري نفسه.
فالسوريون يمتلكون موهبة فطرية لافتة في التجارة والصناعة والحرف وريادة الأعمال. وقد أثبتوا ذلك في أنحاء العالم؛ بدأ كثير منهم من الصفر في مجتمعات جديدة، وبلغات وأسواق وثقافات مختلفة، ثم أسسوا الأعمال والمتاجر والمصانع، وبرزوا في الطب والهندسة والتقنية والفنون والتجارة. وهنا ربما توجد أعظم فرصة أمام سوريا اليوم. فإذا استطاع السوري أن ينجح بعيدا عن وطنه، وأن يبدأ من الصفر في أرض لا يعرفها، فماذا يمكن أن يفعل عندما تتاح له الفرصة في دمشق وحلب وحمص واللاذقية وبقية مدن سوريا؟ وماذا يمكن أن يفعل إذا وجد إدارة رشيدة، وقانونا يحميه، وبنية تحتية تخدمه، ورأس مال يبحث عن فكرته، ودولة ترى فيه شريكا في صناعة مستقبلها؟ لقد أثرى السوريون باجتهادهم ومواهبهم كثيرا من المجتمعات التي عاشوا فيها. واليوم حان الوقت ليجربوا في سوريا ما أثروا به العالم في المهجر.
أتمنى مخلصا لسوريا وشعبها التوفيق؛ فنحن في هذه الحقبة الصعبة من تاريخ المنطقة نحتاج إلى قصة أمل عربية جديدة، ونحتاج إلى نموذج آخر يقول إن الدول التي أنهكتها الحروب تستطيع أن تنهض، وإن الشعوب التي عاشت سنوات الدمار تستطيع أن تبني سنوات الازدهار. لقد عرف السوريون الحرب أكثر مما ينبغي. وأتمنى أن تكون حربهم القادمة هي حرب التنمية.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.