لا يمكن إنكار أن البودكاست أحدث تحولا مهما في المشهد الإعلامي، فقد منح الجمهور فرصة الاستماع إلى حوارات مطولة، والتعرف على تجارب وشخصيات ربما لم تكن لتحظى بمثل هذه المساحة في وسائل الإعلام التقليدية. كما أتاح لصناع المحتوى تجاوز كثير من القيود الإنتاجية والتحريرية التي ارتبطت تاريخيا بالإذاعة والتلفزيون. لكن ما يستوقفني في هذه الموجة هو المفارقة بين طبيعة البودكاست واتجاهات الاستهلاك الإعلامي المعاصر. ففي الوقت الذي تتنافس فيه المنصات الرقمية على اختصار المحتوى إلى ثوان معدودة، نجد جمهورا يقضي ساعتين أو ثلاثا في متابعة حوار واحد. فهل اكتشف الجمهور فجأة شغفه بالمحتوى الطويل، أم أن البودكاست نجح في تقديم تجربة مختلفة تستحق هذا الوقت؟
تشير الأرقام إلى أن الظاهرة تتجاوز مجرد الحماس المؤقت. فوفقا لدراسة The Infinite Dial 2026 الصادرة عن Edison Research، استمع أو شاهد 58% من الأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم 12 عاما فأكثر بودكاست خلال شهر واحد، بما يعادل نحو 167 مليون شخص. كما أعلنت YouTube في عام 2025 تجاوز عدد مشاهدي محتوى البودكاست النشطين شهريا على منصتها مليار مشاهد.
وفي السعودية، تبدو التجربة أكثر إثارة للاهتمام. فقد قدر تقرير حالة قطاع الإعلام في المملكة عدد المستمعين المنتظمين للبودكاست بنحو 5.1 ملايين شخص، وهو مؤشر على تشكل قاعدة جماهيرية محلية لهذا النوع من المحتوى.
ولعل تجربة شركة «ثمانية» تمثل أحد أبرز النماذج في تطور صناعة البودكاست العربية، من خلال برامج مثل «فنجان» و«سقراط» و«سوالف بزنس»، التي أسهمت في تقديم الحوارات المطولة حول قضايا الفكر والإدارة والاقتصاد والمجتمع إلى جمهور أوسع.
وقد تجاوز نجاح هذه التجربة الحدود المحلية، ففي عام 2024 وثقت موسوعة غينيس للأرقام القياسية تحقيق حلقة «أسرار العلاقات الناجحة» من بودكاست «فنجان»، التي استضافت ياسر الحزيمي، رقما قياسيا عالميا بوصفها أكثر حلقات البودكاست مشاهدة على YouTube آنذاك، بعد تجاوزها 110 ملايين مشاهدة. ولا أرى أهمية هذا الإنجاز في عدد المشاهدات وحده، بل فيما يعكسه من قدرة المحتوى السعودي الناطق بالعربية على المنافسة والوصول إلى جمهور عالمي، دون الحاجة بالضرورة إلى تبني القوالب الإعلامية الغربية.
لكن النجاح نفسه يثير تساؤلا آخر: هل أسهمت هذه النماذج في فتح آفاق جديدة للإنتاج الإعلامي، أم دفعت بعض المنتجين إلى استنساخ الشكل دون امتلاك المضمون؟ أتابع أحيانا حوارات تمتد لساعات، وأتساءل بعد انتهائها عما أضافته فعليا إلى معرفتي. فقد نجد ضيفا يتنقل بين برامج متعددة، يعيد القصص نفسها والأفكار ذاتها، بينما تتكرر الأسئلة بصياغات مختلفة. وفي المقابل، قد نصادف حوارا واحدا يقدم معرفة عميقة أو تجربة إنسانية ثرية تجعل الوقت الذي أمضيناه في متابعته استثمارا حقيقيا.
وهنا أعتقد أن علينا التمييز بين طول المحتوى وعمقه، وبين شهرة الضيف وقيمة ما يقدمه. فليس كل حديث مطول حوارا معرفيا، وليس كل من امتلك ميكروفونا وكاميرا أصبح بالضرورة محاورا محترفا. بل إن سهولة الدخول إلى هذا المجال قد تكون أحد أسباب تضخم المعروض. فإنتاج البودكاست أصبح متاحا بصورة أكبر للأفراد والمؤسسات، لكن سهولة الإنتاج لا تعني سهولة صناعة محتوى يستحق المتابعة. فالحوار الجيد يحتاج إلى بحث وإعداد، وقدرة على إدارة النقاش، وطرح أسئلة تتجاوز المألوف، واستخلاص ما يضيف إلى معرفة الجمهور.
ومن الملاحظ أيضا أن بعض برامج البودكاست أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على المقاطع القصيرة المقتطعة من الحلقات الطويلة لجذب المشاهدات. وقد تدفع المنافسة على الانتشار إلى البحث عن التصريحات المثيرة واللحظات القابلة للتداول، حتى لو لم تكن الأكثر أهمية في الحوار. وهنا يبرز خطر تحول البودكاست من مساحة للتعمق إلى مجرد مصنع لإنتاج المقاطع الرائجة.
أما عن مستقبل هذه الموجة، فأميل إلى الاعتقاد بأن البودكاست سيستمر، لكن ليس بالضرورة بالصورة التي نشاهدها اليوم. فقد بدأت الحدود بين البودكاست والبرامج التلفزيونية الرقمية تتلاشى، وأصبح المحتوى ينتج للمشاهدة والاستماع معا، ثم يعاد توزيعه عبر منصات متعددة.
وفي الوقت نفسه، تشير بيانات معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026 إلى أن الاستخدام الأسبوعي للبودكاست الإخباري بلغ 11% عبر الأسواق المشمولة بالدراسة، دون نمو إجمالي عن العام السابق. وهو ما يذكرنا بأن انتشار البودكاست لا يعني أن جميع أنواعه تنمو بالمعدل نفسه، أو أن الجمهور يمتلك وقتا غير محدود لاستيعاب المزيد. وأتوقع أن تؤدي المنافسة المتزايدة، إلى جانب تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التي تسهل إنتاج المحتوى وتحريره وترجمته، إلى زيادة المعروض بصورة تجعل التميز أكثر صعوبة. وعندها قد تتراجع البرامج المتشابهة، بينما تعزز البرامج المتخصصة، والحوارات المدروسة، والمحتويات التي تقدم معرفة أصلية، قدرتها على الاستمرار.
ولعل الفرصة الأهم أمام صناعة البودكاست السعودية تكمن في تجاوز النموذج الحواري التقليدي، والتوسع نحو الإنتاج المعرفي المتخصص، والتحقيقات، والبرامج الوثائقية، والسرد القصصي، والمحتوى العلمي والثقافي الذي يعكس ثراء التجربة السعودية وتنوعها.
لست ضد انتشار البودكاست، بل أراه إضافة مهمة إلى التنوع الإعلامي، وفرصة لإثراء المعرفة وإتاحة أصوات وتجارب جديدة. لكنني أعتقد أن وفرة المحتوى ينبغي ألا تصرفنا عن السؤال المتعلق بقيمته. فالجمهور لا يحتاج بالضرورة إلى المزيد من ساعات الحديث، وإنما إلى المزيد مما يستحق أن يقال ويستمع إليه.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.