لا أذكر على وجه الدقة السنة التي استخدمت فيها أول جهاز من أبل، لكنني أرجح أنها كانت عام 1989، عندما كنت طالبا في مدرسة حراء الابتدائية بالجبيل الصناعية. كان وجود معمل للحاسب الآلي في مدرسة ابتدائية أواخر الثمانينات أمرا استثنائيا بحد ذاته، فما بالك بمعمل مجهز بأجهزة أبل؟ أعتقد أن الأجهزة كانت من طراز Apple IIe، ولم أكن أدرك حينها أن تلك التجربة ستكون بداية علاقة طويلة مع شركة ستصبح لاحقا واحدة من أكثر الشركات تأثيرا في حياتي التقنية.
كنا نتعلم مبادئ البرمجة باستخدام لغة LOGO التعليمية، التي تعتمد على تحريك سلحفاة صغيرة على شاشة أحادية اللون بواسطة أوامر بسيطة نكتبها بأنفسنا. نأمرها بالتقدم أو الدوران، فتتحرك وترسم خطوطا وأشكالا هندسية مختلفة. كان الأمر يبدو أشبه بلعبة، لكنه كان في حقيقته مدخلا مبكرا لفهم البرمجة والتفكير المنطقي. ولعل ما جعل تلك التجربة استثنائية بالنسبة إلي أنني لم أكن بحاجة إلى معرفة التعقيدات الداخلية للحاسوب حتى أجعله ينفذ ما أريد. كانت هناك فكرة في ذهني، وأوامر أكتبها، ونتيجة أشاهدها أمامي.
وبعد الانتهاء من التمارين، وكأنها مكافأة على حسن الأداء، كان يسمح لنا باستخدام قرص مرن كبير الحجم لتشغيل لعبة Karateka، التي طورها جوردان ميكنر عام 1984. ورغم بساطة رسومها بمقاييس اليوم، فإن حركات شخصياتها وأسلوبها السينمائي كانا يمثلان بالنسبة إلينا تجربة مذهلة. وربما لم تكن تلك اللعبة مجرد وسيلة للترفيه، بل نافذة مبكرة على مستقبل أصبحت فيه الألعاب صناعة تتجاوز السينما في بعض جوانبها التقنية والتجارية.
بعد تلك المرحلة، اشترى والدي جهاز حاسب شخصيا من فئة IBM PC المتوافقة، يعمل بمعمارية x86 ومعالج أذكر أن سرعته كانت في حدود 10 ميجاهيرتز، مع إمكانات للترقية كانت تبدو لنا مذهلة آنذاك. ثم جاء Windows 3.0 عام 1990 بواجهته الرسومية الملونة وإمكانات تشغيل التطبيقات والتبديل بينها، ليقدم قفزة نوعية في تجربة استخدام الحواسيب الشخصية. وهكذا بدأت مرحلة ابتعاد طويلة عن أبل، استمرت قرابة عقدين، وإن كنت لم أنقطع خلالها عن متابعة أخبار الشركة وتطور منتجاتها.
كنت قارئا شغوفا بالمجلات التقنية، ولا سيما «PC Magazine» و«BYTE»، وكنت أتابع ما تنشره عن البرامج الاحترافية التي ارتبطت مبكرا بأجهزة ماكنتوش، مثل Adobe Illustrator وAldus PageMaker، إلى جانب تطبيقات التصميم والهندسة. وقد لفت انتباهي الحضور المميز لأجهزة ماك في مجالات التصميم والنشر المكتبي، وكذلك جهود الشركات العربية التي عملت على تطوير الخطوط والمحارف والحلول البرمجية العربية، ومن الأسماء التي بقيت في ذاكرتي «ديوان» البريطانية، و«سعودي سوفت»، و«صفر واحد» البحرينية. كان التعامل الاحترافي مع اللغة العربية في الحواسيب تحديا تقنيا حقيقيا، وكانت هذه الشركات تقدم حلولا أسهمت في تطوير صناعة النشر والتصميم العربية.
وفي عام 2008، عدت إلى عالم أبل من بوابة مختلفة تماما، عندما اقتنيت أول جهاز آيفون. كانت تجربة الحصول عليه مغامرة بحد ذاتها، فالجهاز لم يكن متاحا بسهولة في السوق المحلية، وكانت مشكلة ارتباط بعض الأجهزة بشبكات اتصال محددة تجعل العثور على جهاز مفتوح الشبكات تحديا إضافيا. اشتريته من خلال مجتمع موقع adslgate.com، أو «البوابة الرقمية»، الذي كان يمثل آنذاك أحد أهم المجتمعات التقنية السعودية، ولا يزال حاضرا حتى اليوم.
كان الآيفون بالنسبة إلي نموذجا عمليا لفلسفة تبسيط التعقيد. فلم يكن مجرد هاتف بشاشة تعمل باللمس، بل تجربة مختلفة في التعامل مع التطبيقات والإنترنت والصور والاتصالات. كانت وظائف كثيرة تتطلب في الهواتف الأخرى خطوات متعددة، بينما أصبحت تنجز من خلال واجهة أكثر مباشرة وسهولة. وبعد عام واحد، وتحديدا في 2009، اقتنيت جهاز MacBook Pro، لتبدأ عودتي الفعلية إلى حواسيب أبل، ومنذ ذلك الوقت لم أجد سببا مقنعا للعودة إلى ويندوز بوصفه نظامي الأساسي.
لا أعتقد أن أجهزة أبل هي الأفضل في كل شيء، أو أن نظام macOS يخلو من العيوب، فهناك تطبيقات ومجالات متخصصة تتفوق فيها بيئة ويندوز، كما أن ارتفاع أسعار أجهزة أبل يجعلها غير مناسبة للجميع. لكنني وجدت فيها مجموعة من الخصائص التي جعلت تجربة استخدامها أكثر انسجاما مع احتياجاتي، وفي مقدمتها التكامل بين المكونات المادية ونظام التشغيل، والاعتمادية العالية، والأمان، وسهولة التعامل مع الوظائف اليومية.
فقد اعتدت استخدام أجهزة ماك لخمس سنوات أو أكثر دون الشعور بحاجة ملحة إلى استبدالها، كما أن تجربتي معها خلال السنوات التي انتشرت فيها الفيروسات والبرمجيات الخبيثة المستهدفة لويندوز منحتني شعورا أكبر بالاطمئنان، وإن كان ذلك لا يعني أن أجهزة أبل محصنة ضد الاختراقات. أما أكثر ما أعجبني فهو طريقة تصميم واجهات الاستخدام، إذ أشعر أن كثيرا من الوظائف والإعدادات يمكن الوصول إليها بصورة مباشرة دون الحاجة إلى التنقل بين طبقات متعددة من القوائم والخيارات.
وأذكر أنني قرأت ذات مرة مقارنة بين ماك وويندوز تتناول عدد النقرات اللازمة للوصول إلى بعض الوظائف، وكانت النتيجة تميل بصورة واضحة إلى ماك. لا أستطيع اليوم تأكيد دقة الأرقام التي وردت فيها، لكنني أجد أن الفكرة تتفق مع تجربتي الشخصية؛ فسهولة الاستخدام ليست مجرد تقليل عدد النقرات، بل تقليل الجهد الذهني اللازم لفهم ما ينبغي فعله.
ولعل من الأمثلة التي لا تزال تستوقفني طريقة صياغة رسائل النظام. فرغم أنني أفضل استخدام اللغة الإنجليزية في جميع أجهزتي، فإنني كنت أجد نفسي أحيانا مضطرا إلى قراءة بعض الرسائل العربية في ويندوز مرتين أو ثلاثا لفهم المقصود منها قبل اتخاذ القرار، بينما كنت أجد الرسائل في ماك أكثر وضوحا، سواء باللغة العربية أو الإنجليزية. قد يبدو ذلك تفصيلا صغيرا، لكنه يعكس في تقديري الفرق بين واجهة تنقل المعلومات إلى المستخدم، وأخرى تساعده على فهمها والتصرف بناء عليها.
ومع مرور السنوات، لم تعد علاقتي بأبل مقتصرة على ماك والآيفون، فقد اتسعت منظومة منتجاتها لتشمل أجهزة iPad التي أصبحت وسيلة عملية للقراءة وتدوين الملاحظات ومراجعة المستندات ومتابعة المحتوى، وساعة Apple Watch التي أضافت بعدا جديدا لعلاقتي بالتقنية من خلال متابعة النشاط البدني والمؤشرات الصحية وإدارة التنبيهات والاتصالات، إلى جانب سماعات AirPods الصغيرة التي جعلت الانتقال بين المكالمات والاستماع إلى المحتوى أكثر سهولة، وسماعات AirPods Max الكبيرة التي تقدم تجربة صوتية مميزة بفضل تقنيات عزل الضوضاء والصوت المكاني.
وما يعجبني في هذه المنتجات ليس وظائفها المنفردة بقدر ما يجمعها من تكامل. يمكنني أن أبدأ كتابة نص على الماك وأراجعه على الآيباد، أو أتلقى مكالمة على الآيفون وأتابعها باستخدام السماعات، أو أتعامل مع بعض التنبيهات من خلال الساعة دون الحاجة إلى إخراج الهاتف. هذه التفاصيل الصغيرة، عندما تجتمع، تصنع تجربة استخدام يصعب تقييمها بالمواصفات التقنية وحدها.
ولعل المفارقة أن علاقتي بأبل بدأت بجهاز واحد في معمل مدرسي، بينما أصبحت اليوم محاطا بمنظومة من أجهزتها، لكل منها وظيفة مختلفة، لكنها جميعا تتحدث اللغة التقنية نفسها.
وها هي أبل تواصل توسيع حدود هذه المنظومة. فقد قدمت Apple Vision Pro بوصفه جهازا للحوسبة المكانية، يتيح التفاعل مع التطبيقات والمحتوى باستخدام العينين واليدين والصوت. ورغم أنني لم أجربه حتى الآن، فإنني أجد فكرته امتدادا طبيعيا لمسيرة طويلة من تطوير واجهات التفاعل بين الإنسان والحاسوب، بدأت بلوحة المفاتيح والفأرة، ثم انتقلت إلى اللمس، وصولا إلى التفاعل مع المحتوى داخل الفضاء المحيط بالمستخدم.
كما أعلنت الشركة مؤخرا عن Apple HomeView، الذي يمثل توسعا جديدا في مجال المنزل الذكي، ويهدف إلى جمع التحكم بالأجهزة المنزلية والمعلومات والخدمات اليومية في واجهة واحدة. وإذا نجحت أبل في نقل فلسفة سهولة الاستخدام والتكامل إلى هذا المجال، فقد نشهد تجربة منزلية يصبح فيها التعامل مع الإضاءة والتكييف والأجهزة والاتصالات جزءا طبيعيا من الحياة اليومية، دون الحاجة إلى التعامل مع تطبيقات وأنظمة متعددة.
وأترقب كذلك ما ستكشف عنه الشركة في 28 أكتوبر 2026 من منتجات وتحديثات جديدة، وسط توقعات تتعلق بأجهزة ماك وغيرها. ولا أستطيع الجزم بما ستقدمه قبل الإعلان الرسمي، لكنني أجد أن متابعة هذه المناسبات أصبحت جزءا من علاقتي الطويلة مع الشركة؛ علاقة لا تقوم فقط على اقتناء المنتجات، بل على الفضول لمعرفة الطريقة التي ستعيد بها أبل التفكير في استخدام التقنيات التي اعتدنا عليها.
ومع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي، أعتقد أن فلسفة سهولة الاستخدام ستواجه اختبارها الأهم. فالتحدي لم يعد في جعل الحاسوب ينفذ الأوامر بصورة أسرع، وإنما في تمكينه من فهم ما يريده المستخدم ومساعدته على تحقيقه بأقل قدر ممكن من التعقيد. وربما نكون أمام تحول يعادل، في أهميته، الانتقال من الأوامر النصية إلى الواجهات الرسومية، ثم إلى شاشات اللمس.
وحين أنظر إلى هذه الرحلة الممتدة لما يقارب أربعين عاما، أجد فهي ليست مجرد قصة مع شركة أو مجموعة من الأجهزة، بل جزء من تاريخ شخصي عشت خلاله التحولات الكبرى في الحوسبة؛ من الأقراص المرنة إلى التخزين السحابي، ومن الشاشات أحادية اللون إلى الشاشات فائقة الدقة، ومن أوامر البرمجة البسيطة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على فهم اللغة الطبيعية. تبدلت الأجهزة والبرامج، واختفت شركات وظهرت أخرى، وتغيرت طريقة عملنا وتعلمنا وتواصلنا مع العالم.
ولست من أولئك الذين يعتقدون أن الولاء لشركة تقنية ينبغي أن يكون مطلقا، فالشركات تتغير، والمنتجات تتطور، والتفوق التقني ليس حقا مكتسبا إلى الأبد. لكنني أؤمن بأن بعض الشركات تنجح في بناء علاقة تتجاوز قرار الشراء، لأنها تصبح جزءا من ذكرياتنا وتجاربنا وتطورنا الشخصي، وبالنسبة إلي كانت أبل واحدة من تلك الشركات.
بعد ما يقارب أربعين عاما، لا تزال تلك السلحفاة الصغيرة التي تعلمت تحريكها في معمل مدرسي حاضرة في ذاكرتي. وربما لم تكن أهميتها فيما رسمته على الشاشة، بل في أنها جعلتني أكتشف، للمرة الأولى، متعة أن تتحول فكرة في عقلي إلى شيء يحدث أمام عيني.
ومنذ ذلك اليوم، لم يتغير ما أبحث عنه في التقنية، مهما بلغت درجة تعقيدها: أن تساعدني على إنجاز ما أريد، وأن تمنحني وقتا أكبر للتفكير والإبداع، وألا تجعلني منشغلا بالطريقة التي تعمل بها أكثر من انشغالي بما أريد تحقيقه من خلالها. وربما لهذا السبب، وبعد هذه السنوات كلها، ما زلت “تفاحيا” منذ ١٩٨٩.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.