ما يميز هذا العمل أنه لم يتعامل مع حديقة الملك سلمان بوصفها مشروعا ضخما يحتاج إلى التعريف بمكوناته ومرافقه ومساحاته، وإنما تجاوز ذلك إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا يعني هذا المشروع للإنسان؟ وما موقعه في القصة الأكبر التي تعيشها المملكة؟ ومن هنا جاءت الفكرة الإبداعية التي ربطت بين الحياة التي ستنبض بها الحديقة والحياة المتجددة التي يشهدها الوطن، ليصبح المشروع جزءا من سردية وطنية أوسع، لا مجرد وجهة جديدة في الرياض.
وأعترف بأنني أغبط سكان مدينة الرياض على هذا المشروع في هذه المساحة الشاسعة وقد أصبحت جزءا من الحياة اليومية للكثيرين، حيث يجد الناس متنفسا للتنزه والمشي والرياضة والأنشطة الخارجية، وتجتمع العائلات والأصدقاء في فضاءات مفتوحة وسط المدينة. فالقيمة الحقيقية للحدائق العامة لا تكمن في جمال تصميمها أو اتساع مساحاتها فحسب، بل في قدرتها على الدخول في تفاصيل حياة الناس، وصناعة ذكرياتهم، وتغيير علاقتهم بالمكان الذي يعيشون فيه.
ولعل أكثر ما يلفتني في مشروع حديقة الملك سلمان هو الجرأة في اتخاذ القرار نفسه. فتحويل موقع بهذه المساحة والأهمية الاستراتيجية في قلب العاصمة إلى حديقة عامة يمثل اختيارا تنمويا بالغ الدلالة، ورسالة واضحة بأن البيئة الحضرية وجودة الحياة ليستا من الكماليات التي تأتي بعد اكتمال البناء، بل من الأولويات التي ينبغي أن توجه التخطيط للمدن منذ البداية.
ومن هذا المنطلق، أعتقد أن المشروع يمكن أن يؤسس لتحول أوسع في مفهوم الحدائق المركزية في المدن السعودية، على غرار ما نراه في مدن عالمية أخرى أصبحت حدائقها الكبرى جزءا لا يتجزأ من هويتها وصورتها الذهنية. فالحديقة المركزية ليست مجرد مساحة خضراء، وإنما معلم حضري واجتماعي وثقافي، تتشكل حوله أنماط الحياة، ويصبح مع مرور الزمن أحد العناصر التي يعرف الناس المدينة من خلالها. يكفي أن نتأمل موقع سنترال بارك في الذاكرة البصرية لنيويورك، أو هايد بارك في لندن، لندرك كيف يمكن للطبيعة أن تتحول إلى أحد أبرز رموز المدينة، لا أن تكون مجرد إضافة للمشهد الحضري فيهما.
وهنا أعود إلى الإعلان نفسه، الذي نجح في تقديم هذه الفكرة بلغة تسويقية واتصالية متماسكة. فعنوان «موطن حي في وطن حي» يحمل بناء لغويا ذكيا، يقوم على التماثل الإيقاعي بين المفردات مع اختلاف الدلالة بين الموطن والوطن. الأول يشير إلى المكان الذي يحتضن الحياة، والثاني إلى الكيان الأكبر الذي يمنح هذا المكان هويته ومعناه. وبهذا التكوين المختصر، تتحول العبارة إلى رسالة سهلة التذكر والتداول، وهي إحدى أهم خصائص الرسائل الاتصالية الفعالة، أو ما يعرف في التسويق بالعبارة المفتاحية Catchphrase.
ومن منظور تسويق الوجهات Destination Branding، لم يكتف الإعلان بالترويج لحديقة باعتبارها مكانا للزيارة، بل سعى إلى بناء ارتباط ذهني بينها وبين مستقبل الرياض وتحولاتها الحضرية. وهذا ما يمنح المشروع قيمة معنوية تتجاوز مرافقه ومكوناته المادية، ويجعل الجمهور يتطلع إلى التجربة التي سيعيشها فيه، لا إلى مجرد مشاهدته بعد اكتماله. كما أن توظيف اليوم الوطني السعودي جاء منسجما مع مفهوم التسويق العاطفي المرتبط بالمناسبات Emotional & Moment Marketing، حيث تكون مشاعر الانتماء والفخر الوطني حاضرة بقوة، وتصبح الرسائل المرتبطة بالمستقبل والتنمية أكثر قدرة على الوصول إلى الوجدان.
أما من الناحية البصرية، فقد اعتمد العمل على تقديم الطبيعة والحركة الإنسانية والتطور العمراني ضمن سرد متصل، بدلا من الاكتفاء باستعراض المعلومات والأرقام. وهنا تظهر أهمية السرد القصصي المؤسسي Corporate Storytelling، الذي يحول المشروع من مجموعة من المكونات الهندسية إلى قصة لها معنى إنساني. فالأرقام تخبرنا عن حجم المشروع، لكن القصة تساعدنا على فهم قيمته. والموسيقى والإيقاع البصري والتعليق الصوتي ليست عناصر تجميلية مستقلة، وإنما أدوات تعمل معا على تشكيل التجربة الشعورية وتعزيز استدعاء الرسالة في ذاكرة الجمهور. كذلك يمكن قراءة الإعلان بوصفه ممارسة واعية للتسويق القائم على القيم Value-Based Marketing، إذ ترتبط رسالته بمفاهيم الاستدامة وجودة الحياة والارتباط بالأرض، وهي قيم تتجاوز حدود المشروع إلى التوجهات التنموية التي تتبناها رؤية السعودية 2030. والأجمل أن الإعلان لم يحتج إلى تقديم هذه المفاهيم في قالب تقريري مباشر، بل جعلها معاشة وحاضرة في الصورة والمعنى، وهذا أحد الفروق الجوهرية بين الاتصال الذي يشرح الاستراتيجية والاتصال الذي يترجمها إلى تجربة يستطيع الناس استيعابها والشعور بها.
وفي بناء الصورة الذهنية Image Building، تبدو الرسالة أكثر عمقا. فالإعلان لا يريد من الجمهور أن يعرف الحديقة فقط، بل أن يتخيلها بوصفها جزءا من حياته المستقبلية. وهذا ما نسميه التموضع الذهني Positioning، حين تحتل العلامة أو الوجهة موقعا محددا في إدراك الجمهور، يرتبط بمجموعة من المشاعر والتوقعات. غير أن نجاح هذا التموضع لا يقاس بعدد المشاهدات وحده، مهما بلغ انتشار الفيديو، وإنما بمؤشرات أكثر أهمية، مثل تذكر الرسالة، والارتباط العاطفي بالمشروع، وتغير الانطباعات، ومستوى التطلع إلى زيارته، ثم تحول تلك التوقعات إلى تجربة فعلية عند افتتاح مرافقه بمشيئة الله تعالى.
وبعيدا عن التحليل التسويقي والاتصالي، ثمة فكرة شخصية تراودني كلما تأملت هذا المشروع. ففي الرياض أمور جميلة كثيرة، لكنني أجد أن أجمل ما فيها هو اسمها نفسه؛ «الرياض»، ذلك الاسم المنبثق من الروض والخضرة والبساتين. وربما لهذا السبب تحديدا أشعر بأن الحديقة ليست مجرد مشروع جديد يضاف إلى قائمة المشروعات الكبرى في العاصمة، بل مشروع يعيد وصل المدينة بمعنى اسمها، ويمنحها مساحة طبيعية واسعة تعبر عن هويتها بطريقة مختلفة.
لا أدري لماذا يراودني اعتقاد بأن هذا المشروع سيكون بالفعل درة التاج، وربما القطعة الأخيرة التي تكمل جانبا مهما من الصورة الجمالية لهذه المدينة المفعمة بالحياة. وليس المقصود أن الرياض ستتوقف عن التطور أو أن مشروعاتها ستبلغ نهايتها، بل إن بعض المشروعات تمتلك قدرة استثنائية على إعادة تشكيل إحساس الناس بالمدينة، وعلى جمع عناصر متفرقة من هويتها في معلم واحد يصبح جزءا من ذاكرتها الجماعية.
وكما بدأنا، أرى أن «موطن حي في وطن حي» ليس مجرد إعلان جميل عن مشروع كبير، بل مثال على ما يمكن أن يقدمه الاتصال المؤسسي حين ينطلق من فكرة إنسانية واضحة، ويوظف الإبداع لخدمة معنى استراتيجي أوسع. والأهم من ذلك أن الحديقة نفسها تحمل وعدا يستحق التطلع إليه، بأن تكون الطبيعة جزءا أصيلا من الحياة اليومية في قلب العاصمة، وأن تصبح المساحات العامة عنصرا رئيسيا في بناء المدن السعودية المقبلة. وربما تكون أجمل نتيجة لهذا المشروع أن يأتي يوم لا يتحدث فيه سكان الرياض عن حديقة الملك سلمان باعتبارها أحد المشروعات الكبرى التي أنجزت، بقدر أنها المكان الذي اعتادوا المشي فيه، وممارسة الرياضة بين أشجاره، والالتقاء بأصدقائهم، وقضاء أوقاتهم مع عائلاتهم. عندها فقط تكون الحديقة قد تجاوزت كونها مشروعا إلى أن أصبحت جزءا من حياة المدينة.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.