عرفت الموسوعات قبل ظهور ويكيبيديا بسنوات طويلة، وكنت ممن وجدوا في صفحاتها متعة معرفية لا تقل عن متعة القراءة الأدبية. من الموسوعات الورقية التي احتلت مساحات من مكتباتنا، إلى موسوعة إنكارتا التي شكلت بالنسبة لي في منتصف التسعينات انتقالا مدهشا إلى المعرفة التفاعلية، ثم إلى ويكيبيديا التي أزالت كثيرا من الحواجز بين القارئ والمعلومة. ولم يكن ذلك مجرد تطور تقني، بل تحول في طبيعة العلاقة مع المعرفة نفسها؛ إذ أصبح بإمكان القارئ أن يتحول إلى محرر، يضيف إلى المحتوى أو يعترض عليه.

لكن السؤال الذي يستحق التأمل اليوم هو: من يكتب الحقيقة في ويكيبيديا؟ فالموسوعة التي يستطيع الجميع المساهمة فيها لا تعني بالضرورة أن الجميع يمتلكون التأثير نفسه على محتواها. هناك محررون مخضرمون، وإداريون، وسياسات تفصيلية للمصادر والحذف والحماية، ومجتمعات تحريرية تتفاوت فيها الخبرة والنفوذ. وهذه الآليات ضرورية لحماية الموسوعة من الفوضى والتخريب، لكنها تثير تساؤلات مشروعة حول المسافة بين الانفتاح المعلن والممارسة الفعلية.

وتبرز هنا إشكالية الحياد، وهي ربما أكثر القضايا إثارة للجدل. فويكيبيديا تتبنى مبدأ وجهة النظر المحايدة، لكن الحياد لا يتحقق بمجرد استخدام لغة هادئة أو الاستشهاد بمصادر منشورة، وإنما يبدأ من اختيار الوقائع والمراجع والسياق الذي تقدم فيه المعلومات. ويمكن لمقالة أن تكون موثقة وخالية من العبارات المنحازة، ومع ذلك تقدم صورة غير مكتملة عن موضوعها. ويزداد الأمر تعقيدا عندما نلاحظ اختلاف تناول الشخصيات والأحداث التاريخية والسياسية بين النسخ العربية والإنجليزية وغيرها، وكأننا أمام روايات متعددة للحدث نفسه داخل موسوعة واحدة.

أما قضية المصادر، فتكشف مفارقة أخرى: ليس كل ما هو صحيح موثقا بما يكفي، وليس كل ما هو منشور يمثل الحقيقة كاملة. فالمجتمعات التي تمتلك مؤسسات بحثية وإعلامية واسعة وأرشيفا رقميا متاحا، تتمتع بفرص أكبر لحضور روايتها في الموسوعة، بينما قد تعاني موضوعات من التاريخ العربي والإسلامي من ضعف التمثيل نتيجة محدودية المصادر الرقمية المعتمدة. وهنا تصبح القضية أوسع من خلاف بين المحررين، لتلامس مسألة التفاوت العالمي في إنتاج المعرفة وتوثيقها.

ولا يمكن تجاهل الصراعات التحريرية ومحاولات التأثير في بعض الصفحات المرتبطة بالحروب والسياسة والهويات الوطنية والدينية. ومع ذلك، من الإنصاف الاعتراف بأن ويكيبيديا تمتلك أدوات علنية لمراجعة التعديلات ومناقشة الخلافات وتصحيح الأخطاء، وهي ميزة لا تتوافر دائما في الموسوعات التقليدية. ولذلك فإن نقد المشروع لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار منجزه المعرفي.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضع ويكيبيديا أمام تحد جديد؛ فالموسوعة أصبحت مصدرا مهما للأنظمة الذكية، بينما بات المستخدم يحصل على الإجابات مباشرة دون الحاجة إلى زيارتها. والمفارقة أن الأخطاء والتحيزات المحتملة في المحتوى الموسوعي قد تنتقل إلى هذه الأنظمة، ثم يعاد إنتاجها على نطاق أوسع، وربما دون أن يعرف المستخدم مصادرها الأصلية.

فهل يعني ذلك أننا نقترب من نهاية ويكيبيديا؟ لا أعتقد ذلك. فما زالت الموسوعة تمثل إنجازا معرفيا عظيما، لكن نجاحها لا يمنحها حصانة من النقد. وربما تدفع هذه التحولات إلى تعزيز دور الموسوعات الوطنية والمتخصصة، مثل سعوديبيديا، بما يسهم في تنويع مصادر المعرفة وتوثيق التاريخ والثقافة المحلية.

لقد نجحت ويكيبيديا في تغيير الطريقة التي نصل بها إلى المعرفة، لكن السؤال الأهم اليوم لم يعد كيف نحصل على المعلومة، وإنما كيف تشكلت، ومن اختار مصادرها، ومن يملك التأثير في صياغتها. فالمعرفة الحرة لا تكتمل بحرية الوصول إليها وحدها، وإنما تحتاج إلى الشفافية والتعددية والقدرة المستمرة على مساءلة ما نعتقد أننا نعرفه.