ما شهدناه يوم السبت، الرابع والعشرين من أكتوبر، من اعتراض الدفاعات السعودية صواريخ باليستية أطلقتها ميليشيا الحوثي باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، ليس مجرد تطور عسكري عابر، بل واقعة تستحق الوقوف عند دلالاتها الدينية والسياسية والأخلاقية. فحين تصبح المناطق المحيطة بأقدس بقاع المسلمين عرضة لمخاطر الصواريخ، فإن المسألة تتجاوز الخلافات السياسية إلى مسؤولية حماية الإنسان والمكان، وصيانة أمن ملايين المسلمين الذين يقصدون هذه الديار.

لقد جعل الله لهذا البلد الحرام مكانة لا تشبه غيرها، فقال سبحانه: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. والأمن في مكة ليس مجرد ضرورة اجتماعية أو أمنية، بل قيمة متجذرة في وجدان المسلمين وتاريخهم. ومن هنا فإن تعريض أمنها للخطر، أيا كانت الذرائع والمبررات، يستدعي موقفا يتناسب مع حرمة المكان وعظمته.

وما يثير الاستغراب أن الجماعة التي ترفع شعارات دينية وتقدم نفسها مدافعة عن قضايا الأمة، لا ترى في إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه مناطق تضم المقدسات الإسلامية تناقضا يستوجب المراجعة. وحتى مع نفي الحوثيين أن تكون مكة المكرمة هدفا مقصودا، فإن ذلك لا يلغي مسؤوليتهم عن المخاطر المترتبة على استخدام هذه الأسلحة. فأمن المقدسات وقاصديها لا ينبغي أن يكون رهينة لحسابات عسكرية أو احتمالات الخطأ وسقوط الشظايا.

لقد تحملت المملكة عبر تاريخها مسؤولية عظيمة في حماية الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، ولم تكن هذه المسؤولية يوما مجرد شعار، بل ترجمتها إلى منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والخدمية والتنظيمية. وما تقوم به قواتنا المسلحة ومنظومات الدفاع الجوي والأجهزة الأمنية من أعمال لحماية البلاد يؤكد أن الأمن لا تصنعه الشعارات، وإنما المؤسسات القادرة على الاستعداد والاستجابة والتعامل مع المخاطر.

وفي المقابل، يبرز سؤال مشروع عن موقف العالم الإسلامي من التهديدات التي تطال أمن المناطق المقدسة. فمكة المكرمة، وإن كانت مسؤولية حمايتها وسيادتها تقع على المملكة، فإن مكانتها الدينية تخص المسلمين جميعا. ومن حقهم أن يطمئنوا إلى أن الأماكن التي يقصدونها للعبادة بعيدة عن أخطار النزاعات المسلحة، وأن تكون حمايتها مسؤولية أخلاقية حاضرة في المواقف الدولية والإسلامية. ومع إدانتنا لهذه الاعتداءات،

لقد مرت على مكة المكرمة عبر تاريخها أحداث جسام، وبقيت على مر العصور قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم. واليوم، وأمام ما تشهده المنطقة من اضطرابات، تتجدد ثقتنا بالله ثم بقدرة بلادنا على صون أمنها وحماية مقدساتها، بما تملكه من عزيمة وإمكانات. وستبقى مكة المكرمة، بإذن الله، بلد الأمن والأمان، عصية على كل من يحاول المساس بحرمتها أو تهديد سلامة قاصديها.