حين أنظر إلى ما تشهده منطقتنا من اضطرابات متلاحقة، أجد أن أعظم ما يمكن أن نعتز به في المملكة العربية السعودية ليس قدرتنا على مواجهة الأخطار فحسب، بل قدرتنا على مواصلة الحياة والبناء رغم وجودها. فهناك فرق بين دولة تنشغل بأزماتها حتى تتوقف مصالح شعبها، ودولة تمتلك من القوة والحكمة والتنظيم ما يمكنها من حماية أمنها، والمحافظة على استمرارية خدماتها، والمضي في مشروعاتها التنموية دون أن تجعل من التحديات المحيطة بها مبررا للتراجع عن طموحاتها.

وهذا ما يجعلني أنظر إلى الأمن باعتباره منجزا وطنيا مستمرا، لا مجرد حالة من السكون أو غياب التهديدات. فالأمن الحقيقي لا يعني بالضرورة ألا تواجه الدولة تحديات ما، وإنما أن تمتلك القدرة على التعامل معها، واحتواء آثارها، وحماية المجتمع من تداعياتها. وهو ما نلمسه في الجهود التي تبذلها قيادتنا، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله، في المحافظة على سيادة المملكة وأمنها، بالتوازي مع مواصلة مسيرة التحول والتنمية وبناء المستقبل.

ولا يمكن الحديث عن هذا الاستقرار دون استحضار أولئك الذين يتحملون مسؤولية حمايته في الميدان. رجال قواتنا المسلحة والقطاعات الأمنية الذين يقفون في مواقع الواجب، بينما نمضي نحن في أعمالنا وحياتنا المعتادة، ويؤدون مسؤوليات قد لا نعرف تفاصيلها، لكنها تمثل أحد أهم أسباب الطمأنينة التي نعيشها. ولعل أقل ما يستحقونه منا، إلى جانب الدعاء والتقدير، أن ندرك أن ما يقومون به لا يعفينا من مسؤولياتنا نحن، فحماية الوطن لا تبدأ وتنتهي عند الحدود، ولا تقتصر على من يحمل السلاح.

وأعتقد أننا بحاجة إلى توسيع فهمنا للمسؤولية الوطنية، فالموظف الذي يتقن عمله، والمسؤول الذي يصون الأمانة، والمعلم الذي يبني العقول، والطبيب الذي يؤدي رسالته، ورجل الأعمال الذي يحافظ على نشاطه والتزاماته، جميعهم يسهمون في تعزيز قدرة المجتمع على الاستمرار ومواجهة التحديات. بل إن المحافظة على انتظام الحياة اليومية، واستمرار الإنتاج والخدمات، تمثل في أوقات الأزمات رسالة ثقة وقوة لا تقل أهمية عن الرسائل التي تعلنها المؤسسات.

وينطبق ذلك على كل من يعيش على أرض المملكة، مواطنا كان أم مقيما. فهذه البلاد وطن لأبنائها، وموطن أمن وعمل وحياة لملايين المقيمين الذين أصبحوا جزءا من نسيجها الاقتصادي والاجتماعي. ولا أرى أن الإسهام في المحافظة على الاستقرار يرتبط بالجنسية وحدها، بقدر ما يرتبط بالسلوك المسؤول واحترام الأنظمة والحرص على سلامة المجتمع ومقدراته. فكل من ينتفع بأمن هذه الأرض يستطيع أن يسهم، من موقعه، في المحافظة عليه.

لكن هناك جانبا آخر من المسؤولية أراه أكثر أهمية في عصرنا الحالي، وهو التعامل مع المعلومات. فقد أصبح الهاتف الذي نحمله وسيلة لنقل الأخبار والصور والمقاطع إلى آلاف الأشخاص خلال لحظات، وأصبح بإمكان أي فرد أن يكون مصدرا للمعلومة أو سببا في انتشارها، سواء أدرك حقيقة ما ينشره أم لم يدركها. وفي الظروف الاستثنائية، قد تتحول معلومة غير دقيقة إلى حالة من القلق، أو يصبح مقطع قديم مادة لتفسير حدث جديد، بينما يتلقاه الآخرون ويتداولونه باعتباره حقيقة.

وهنا أتساءل: هل ندرك دائما مسؤولية ما نعيد نشره؟ وهل نفكر في أثر الرسالة التي نرسلها قبل أن نضغط زر المشاركة؟

فليس مطلوبا من كل شخص أن يصبح محللا سياسيا أو خبيرا عسكريا، ولا أن يكون له رأي في كل حدث. وأحيانا تكون أكثر المواقف نضجا أن نعترف بأننا لا نملك المعلومات الكافية، وأن ننتظر ما يصدر عن الجهات المختصة، بدلا من الإسهام في صناعة روايات قد تتبين لاحقا عدم صحتها. فالوعي لا يعني معرفة كل شيء، بل معرفة حدود ما نعرفه أيضا.

ومن هنا، فإنني لا أرى الوطنية سباقا في التعبير عن المشاعر، ولا منافسة على من يرفع صوته أكثر من الآخرين. فحب الوطن لا يحتاج في كل مرة إلى إعلان، وإنما إلى سلوك يعكسه. وقد يقدم إنسان خدمة عظيمة لوطنه دون أن يكتب عنه كلمة واحدة، بينما لا تضيف مئات العبارات الحماسية شيئا إذا لم يصاحبها عمل ومسؤولية. ولا يعني ذلك التقليل من قيمة التعبير عن الانتماء، بل التأكيد على أن قيمته الحقيقية تكتمل عندما يتحول إلى ممارسة يومية.

ولعل ما ينبغي أن نتذكره في هذه المرحلة أن حماية المكتسبات الوطنية ليست مسؤولية جيل بعينه أو مؤسسة محددة، وإنما عمل تراكمي تتكامل فيه أدوار القيادة والمؤسسات والمجتمع. فالقوة العسكرية تحمي السيادة، والمؤسسات تحفظ انتظام الدولة، والاقتصاد يعزز قدرتها على الاستمرار، والوعي المجتمعي يحمي تماسكها من الداخل. وإذا اختل أحد هذه العناصر، تأثرت بقية المنظومة مهما بلغت قوتها.

لقد أنعم الله علينا في المملكة العربية السعودية بوطن عزيز وقيادة حكيمة ومجتمع متماسك، وهذه النعم تستوجب الشكر والمحافظة عليها، لا بالاكتفاء بالاعتزاز بها، وإنما بالعمل الذي يصونها للأجيال القادمة.

وأعتقد أن أعظم تعبير عن حب الوطن في أوقات الأزمات ليس أن نتوقف عن حياتنا لنعلن خوفنا عليه، بل أن نواصل البناء فيه بثقة، ونؤدي واجباتنا بإخلاص، ونحافظ على وحدتنا ووعينا، ونحن ندرك أن هناك من يسهر على أمننا كي نستطيع نحن أن نعيش ونعمل ونصنع المستقبل. فالوطن الذي يمنحنا الطمأنينة يستحق منا أكثر من الامتنان، يستحق أن نكون جميعا شركاء في استقراره، كل من موقعه، وبما يستطيع تقديمه.

حفظ الله بلادنا المملكة العربية السعودية، وأدام عزها وأمنها واستقرارها في ظل قيادتها المهمة وشعبها المخلص.