هذا التحول هو جوهر تقرير مهم أصدره المعهد الملكي للعلاقات العامة CIPR في يونيو 2026 بعنوان The Responsible Use of AI in PR، بوصفه دليلا لأفضل الممارسات في الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في العلاقات العامة. ويترجم التقرير “تعهد البندقية” Venice Pledge إلى ممارسات عملية يمكن أن تستفيد منها فرق الاتصال داخل المؤسسات، والوكالات، والممارسون المستقلون.
تكمن أهمية التقرير في أنه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمسألة تقنية فقط. بل يضعه في قلب المسؤولية المهنية: الأخلاق، الحوكمة، الشفافية، المساءلة، التعليم، وحماية الإنسان نفسه من الآثار السلبية الممكنة للتقنية.
من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى حوكمته
ينطلق التقرير من تعريف واضح لما يسميه الذكاء الاصطناعي المسؤول: تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة أخلاقية وشفافة تتمحور حول الإنسان، بحيث يدعم الحكم البشري والإبداع والاتصال ولا يستبدلها.
كما يوسع CIPR هذا المفهوم ليشمل ليس فقط أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بل أيضا الوكلاء المستقلين AI Agents القادرين على اتخاذ إجراءات اتصالية أو إبداعية بدرجات متفاوتة من الاستقلالية.
وهنا تحديدا تكمن النقلة الفكرية التي أراها الأهم في التقرير.
لقد انشغلنا خلال السنوات الماضية بأسئلة مثل: أي نموذج أفضل؟ أي أداة أسرع؟ كم يمكننا توفيره من الوقت؟ كيف نولد النصوص والصور والفيديو؟
لكن المؤسسات ستنتقل تدريجيا إلى سؤال أكثر تعقيدا:
من المسؤول عندما ينتج الذكاء الاصطناعي اتصالا خاطئا؟
هل هي إدارة الاتصال؟ أم إدارة التقنية؟ أم الشركة المزودة للنظام؟ أم الموظف الذي استخدم الأداة؟ أم المسؤول الذي وافق على تبني النظام؟
من هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من “أداة” إلى منظومة حوكمة.
سبعة مبادئ يجب أن تصبح جزءا من ممارسة الاتصال
يقدم التقرير سبعة مبادئ للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في العلاقات العامة والاتصال. وهي ليست توصيات تقنية، بقدر ما هي إطار مهني متكامل.
أول هذه المبادئ هو الأخلاق أولا. ما لا يجوز للمتخصص فعله يدويا لا يصبح مقبولا لمجرد أن آلة قامت به. الأداة لا تلغي الالتزام المهني.
ثم تأتي الحوكمة بقيادة الإنسان، بحيث يبقى الإنسان داخل دائرة اتخاذ القرار Human-in-the-Loop، ولا تتحول العمليات الاتصالية الحساسة إلى قرارات مؤتمتة بالكامل.
ويتبع ذلك تحمل المسؤولية الفردية والمؤسسية عن الأنظمة والمخرجات والآثار الناتجة عنها.
أما المبدأ الرابع فيركز على الوعي والانفتاح والشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي.
ويرى التقرير أن الثقافة والمهارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي AI Literacy أصبحت كفاءة مهنية أساسية للممارس الاتصالي، وليست مهارة إضافية اختيارية.
ويطالب المبدأ السادس المتخصصين في الاتصال بأن يكونوا صوتا فاعلا في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي.
أما المبدأ الأخير فيضع الإنسان في المركز: يجب أن يخدم الذكاء الاصطناعي الصالح العام، والرفاه، والشمول، لا مجرد الكفاءة التشغيلية.
أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس الخطأ الواضح
يعرض التقرير عددا من المخاطر العملية التي ستصبح أكثر تعقيدا مع اتساع الاستخدام.
أولها السرية. إدخال بيانات عميل أو معلومات غير منشورة في نظام ذكاء اصطناعي عام قد يشكل إفشاء للمعلومات حتى قبل أن ينتج النظام أي مخرجات.
وثانيها التحيز، لأن النماذج تتعلم من بيانات قد تحتوي على اختلالات ثقافية أو جغرافية أو اجتماعية.
وثالثها الهلوسة، حيث تنتج النماذج معلومات تبدو مقنعة لكنها خاطئة أو مصطنعة، بما في ذلك مراجع غير موجودة وأرقام غير صحيحة.
ويضاف إلى ذلك خطر أكثر دقة: محاكاة الصوت البشري. إذ أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على تقليد أسلوب الكتابة والصوت والصورة، وإدارة محادثات تبدو بشرية تماما.
وهنا تظهر منطقة رمادية بين الكفاءة والخداع.
هذه النقطة مهمة جدا للعلاقات العامة، لأن المنتج النهائي للمهنة ليس النص أو الصورة أو الحملة، بل الثقة.
وإذا شعر الجمهور أن المؤسسة تصطنع المشاعر الإنسانية أو تستخدم الذكاء الاصطناعي للتلاعب بعلاقتها معه، فإن الكفاءة التشغيلية قد تتحول إلى خسارة سمعة.
الاتصال يجب أن يكون داخل غرفة حوكمة الذكاء الاصطناعي
من أكثر ما لفت انتباهي في التقرير إشارته إلى أن إدارات العلاقات العامة والاتصال كثيرا ما تكون مستبعدة من هياكل حوكمة الذكاء الاصطناعي، رغم أن كثيرا من مخاطر التقنية ترتبط مباشرة بالثقة والسمعة وأصحاب المصلحة.
وهذه، في رأيي، إحدى أهم القضايا التي يجب أن تعيد إدارات الاتصال التفكير فيها.
لا ينبغي أن تكون حوكمة الذكاء الاصطناعي شأنا تقنيا محضا تديره تقنية المعلومات والأمن السيبراني والشؤون القانونية فقط.
فهناك أسئلة لا تستطيع هذه الإدارات وحدها الإجابة عنها:
كيف سيفهم الجمهور استخدام المؤسسة للذكاء الاصطناعي؟
ما أثر القرار الآلي على الثقة؟
متى يصبح المحتوى الاصطناعي تضليلا؟
متى يجب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي؟
كيف يمكن أن تتحول أزمة تقنية إلى أزمة سمعة؟
هذه جميعا أسئلة اتصال بامتياز.
ولهذا فإن موقع الاتصال المؤسسي في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن ينتقل من منفذ للرسائل إلى شريك في الحوكمة وصناعة القرار.
من المسؤول عن الخطأ؟
يشدد التقرير على أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينقل المسؤولية من الإنسان إلى الآلة.
فعندما يستخدم المتخصص الذكاء الاصطناعي لكتابة بيان صحفي أو تحليل رأي أصحاب المصلحة أو اقتراح حملة، تبقى مسؤولية التحقق والعناية المهنية على عاتقه.
ويحذر التقرير من ظاهرة مهمة هي تآكل الحكم المهني؛ أي أن الاعتماد المستمر على مخرجات الأنظمة قد يضعف تدريجيا قدرة الممارس على النقد والتحليل واكتشاف الخطأ.
كما يشير إلى مشكلة تشتت المسؤولية عندما يستخدم عدة أشخاص الذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من المشروع. لذلك يدعو إلى تحديد واضح للمساءلة وآليات الاعتماد والتوثيق.
هذه الفكرة ستصبح شديدة الأهمية مع انتشار الوكلاء المستقلين AI Agents.
فعندما لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد يجيب عن سؤال، بل نظاما يبحث ويحلل وينشر ويرسل ويتفاعل، فإننا سنحتاج إلى ما يشبه سلسلة مسؤولية اتصالية تحدد من صمم المهمة، ومن اعتمد الصلاحيات، ومن يراقب الأداء، ومتى يجب تدخل الإنسان.
هل يجب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي؟
يقدم التقرير إطارا عمليا جيدا لهذه القضية، ويقسم استخدام الذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة مستويات.
الأول هو AI-generated content، حيث ينتج الذكاء الاصطناعي الجزء الأساسي من المحتوى بينما يقوم الإنسان بالمراجعة. وهنا يكون الإفصاح مناسبا في كثير من الحالات، خصوصا عندما يتوقع الجمهور أن يكون المحتوى بشريا بالكامل.
الثاني هو AI-assisted content، حيث ينشئ الإنسان المحتوى ويستخدم الذكاء الاصطناعي للتحرير أو التدقيق أو التلخيص أو البحث. وفي هذه الحالة لا يرى التقرير أن الإفصاح مطلوب عادة.
أما المستوى الثالث فهو AI-enabled processes مثل الجدولة والتحليل والرصد والتوصيات. وهنا تكون الشفافية على مستوى سياسة المؤسسة أكثر مناسبة من الإفصاح عن كل استخدام فردي.
أرى أن هذا التقسيم مفيد لأنه يتجاوز الموقفين المتطرفين: الإفصاح عن كل شيء، أو عدم الإفصاح عن أي شيء.
المعيار الأهم يجب أن يكون:
هل معرفة الجمهور بدور الذكاء الاصطناعي ستغير بصورة جوهرية الطريقة التي يقيّم بها هذا المحتوى؟
الثقافة بالذكاء الاصطناعي أصبحت مهارة أساسية
يذهب التقرير إلى أن AI Literacy أصبحت من الكفاءات المهنية الجوهرية في العلاقات العامة، مثل العلاقات الإعلامية وإدارة أصحاب المصلحة والمنصات الرقمية.
لكن الثقافة بالذكاء الاصطناعي لا تعني معرفة كتابة Prompt جيد فقط.
بل تشمل:
فهم قدرات النماذج وحدودها.
معرفة متى يمكن الوثوق بالمخرجات ومتى يجب الشك فيها.
فهم مخاطر البيانات والخصوصية.
تمييز الاستخدام القانوني والأخلاقي من الاستخدام غير المسؤول.
ومعرفة متى يجب عدم استخدام الذكاء الاصطناعي أصلا.
قد يكون تعلم الأدوات سهلا نسبيا. الأصعب هو بناء الحكم المهني بشأن استخدامها.
ليست كل كفاءة تقدما
من أجمل أفكار التقرير أنه يرفض الافتراض الضمني بأن الاستخدام الأسرع والأرخص للتقنية يعني بالضرورة نتيجة أفضل.
ففي إطار “الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان”، يطلب التقرير النظر إلى الأثر على ثلاثة مستويات: الفرد، والمؤسسة، والمجتمع.
ويشير إلى أن سرعة الاتصال وانخفاض تكلفته لا يعنيان بالضرورة أنه أصبح أفضل لأصحاب المصلحة.
كما أن الاستخدام الواسع للتقنية قد يؤدي إلى آثار تراكمية مثل فيض المعلومات، أو إضعاف الوكالة الإنسانية، أو زيادة الفجوة بين المؤسسات القادرة على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتلك الأقل قدرة.
وهذا يعيدنا إلى سؤال قديم في الاتصال:
هل هدفنا أن ننتج محتوى أكثر؟
أم أن ننتج اتصالا أفضل؟
الفرق بين الاثنين سيصبح أكثر أهمية في عصر يستطيع فيه أي نظام إنتاج آلاف الرسائل في دقائق.
قائمة تدقيق تستحق التحول إلى سياسة مؤسسية
الميزة العملية في التقرير أنه لا يتوقف عند المبادئ، بل يقدم Checklist يمكن تحويلها مباشرة إلى سياسات وإجراءات.
قبل استخدام أي أداة، يدعو إلى التأكد من وجود سياسة للذكاء الاصطناعي، وفهم سياسات البيانات الخاصة بالأداة، وتحديد المشكلة التي ستعالجها، والتأكد من قدرة الموظف على الإشراف عليها.
وعند إدخال البيانات، يشدد على عدم إدخال المعلومات السرية إلى الأنظمة العامة دون التحقق من سياساتها.
وعند مراجعة المخرجات، يوصي بمعاملة كل مخرج للذكاء الاصطناعي باعتباره مسودة أولى تحتاج إلى مراجعة مهنية، والتحقق المستقل من الحقائق والأرقام والمصادر.
وعند النشر، يجب أن يبقى القرار النهائي بيد الإنسان، مع تحديد المسؤوليات بوضوح، ورفع مستوى الشفافية والإشراف البشري كلما ارتفعت حساسية الاتصال.
ويذهب التقرير خطوة أبعد عند تقييم الأنظمة ذات الاستقلالية، فيوصي بتحديد الحدود والصلاحيات ونقاط التصعيد وآليات التدخل البشري قبل تشغيل الوكلاء المستقلين، خصوصا في أزمات الاتصال أو التواصل الآلي مع أصحاب المصلحة.
ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل العلاقات العامة؟
بعد قراءة التقرير، أرى أن التحول الحقيقي القادم في العلاقات العامة لن يكون في إنتاج المحتوى بالذكاء الاصطناعي.
هذه المرحلة بدأت بالفعل.
التحول الأكبر سيكون في إدارة منظومات اتصال هجينة يعمل فيها البشر والذكاء الاصطناعي معا.
سيتغير دور الممارس من كاتب ومحرر ومنتج محتوى إلى أدوار أكثر تعقيدا:
مهندس لعمليات الاتصال.
مصمم لنظم الحوكمة.
مراجع للمخاطر.
حارس للثقة.
ومسؤول عن تحديد الحدود بين ما يجوز تفويضه للآلة وما يجب أن يبقى قرارا بشريا.
وقد يصبح السؤال الأكثر أهمية في إدارات الاتصال مستقبلا ليس: ما الأداة التي نستخدمها؟
بل:
ما الذي نسمح للذكاء الاصطناعي بأن يفعله باسم المؤسسة؟
في النهاية
أعتقد أن أهم ما يقدمه تقرير CIPR ليس مجموعة من القواعد حول الذكاء الاصطناعي، بل إعادة تعريف لمسؤولية المتخصص في الاتصال.
فالذكاء الاصطناعي قد يجعلنا أسرع، وأكثر قدرة على التحليل، وأكثر إنتاجا.
لكنه في الوقت نفسه قد يجعل الخطأ أسرع، والتضليل أوسع، والتحيز أكثر قابلية للتوسع.
ولهذا فإن مستقبل العلاقات العامة لن يتحدد فقط بمن يستخدم أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي.
بل بمن يستطيع الجمع بين قوة التقنية، وحكم الإنسان، وأخلاقيات المهنة.
وفي مهنة رأس مالها الحقيقي هو الثقة، قد تكون هذه هي المهارة الأهم على الإطلاق.
المصدر: Chartered Institute of Public Relations (CIPR), The Responsible Use of AI in PR: Translating the Venice Pledge for public relations practice, June 2026.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.