فلم أعد أريد أن أقضي وقتي في محادثة الذكاء الاصطناعي وتوجيهه خطوة بخطوة، بل أريده أن يعمل نيابة عني، وأن يفهم احتياجاتي وأولوياتي، ويتعامل مع تطبيقاتي وأجهزتي ومعلوماتي، ويتولى الأعمال المتكررة التي تستهلك جزءا كبيرا من يومي. أريده مساعدا شخصيا حقيقيا، لا مجرد نافذة للمحادثة، يستطيع أن يبحث ويحلل ويكتب ويتواصل ويتابع وينفذ، وأن يعرف متى يحتاج إلى الرجوع إلي لاتخاذ قرار.
تعرفوا على همام
لهذا السبب بدأت مشروعا شخصيا أسميته «همام»، وهو الاسم الذي اخترته لمساعدي الرقمي الذي أعمل على بنائه وتطويره. بدأت التجربة بتثبيت Ollama على جهازي المنزلي، وتشغيل نموذج Gemma من Google محليا، ثم الانتقال تدريجيا إلى تجارب أكثر تقدما تتعلق بالأتمتة والوكلاء الأذكياء، أو ما يعرف بـ AI Agents.
الفكرة ليست في تشغيل نموذج لغوي على جهاز منزلي، وإنما في بناء منظومة متكاملة تستطيع استخدام الكمبيوتر والتعامل مع التطبيقات والملفات وقواعد البيانات والإنترنت، وتنفيذ المهام بصورة متسلسلة، بدلا من الاكتفاء بتقديم التعليمات حول كيفية تنفيذها.
أعمل على أن أطلب من همام ترتيب رحلة، فيبحث عن الرحلات المناسبة ويقارن الخيارات ويراجع مواعيدي، ثم يستكمل إجراءات الحجز بعد موافقتي. وأن يراجع بريدي الإلكتروني، ويصنف الرسائل بحسب أهميتها، ويعد الردود المناسبة، ويتابع الدعوات والمواعيد والالتزامات. وأريده أن يكون قادرا على إجراء الأبحاث المتخصصة، وإعداد التقارير، وتحليل المعلومات، والتصميم والكتابة، والتواصل مع الآخرين بالنيابة عني ضمن صلاحيات أحددها مسبقا.
ولن أتوقف عند ذلك فقط، بل أريد أن يتابع مشترياتي عبر الإنترنت، ويراقب حالة الطلبات والشحنات، ويساعدني في تنظيم شؤوني المالية وتحليل المصروفات والالتزامات، ويتابع الحالة التقنية لموقعي الإلكتروني، ويرصد الأعطال والمشكلات ويقترح معالجتها. كما أريده أن يراقب ما يجري في وسائل التواصل الاجتماعي، ويطلعني على ما يتناسب مع اهتماماتي.
محرك بحث خاص بي
من أكثر جوانب المشروع التي تستحوذ على اهتمامي بناء منظومة بحث ومعرفة خاصة بهمام. فأنا لا أريده أن يعتمد في كل مرة على البحث المباشر في الإنترنت، بل أطمح إلى تطوير عنكبوت بحثي أو Web Crawler يستطيع جمع المعلومات من المصادر المتاحة والمسموح بفهرستها، وتنظيمها وتحديثها، ثم إتاحتها لمحرك بحث محلي سريع.
وقد خصصت لهذا التوجه وحدة تخزين بسعة 16 تيرابايت، مستفيدا من سرعة تقنية SSD، بهدف بناء قاعدة معرفية وفهرس بحثي يمكن الرجوع إليهما قبل الانتقال إلى البحث المباشر على الإنترنت. والفكرة ليست إعادة إنتاج Google بكل تعقيداتها وحجمها الهائل، وإنما الاستفادة من المبدأ نفسه على نطاق شخصي: جمع المعلومات وفهرستها واسترجاعها بكفاءة، ثم استخدام النماذج الذكية لتحليل النتائج والربط بينها.
وأتصور أن يمتلك همام مع مرور الوقت مكتبة رقمية متنامية، تشمل المعرفة التي أحتاجها في أعمالي واهتماماتي، مع القدرة على التمييز بين المعلومات القديمة والجديدة، وتوثيق المصادر، والعودة إلى الإنترنت عندما لا تتوافر الإجابة محليا أو تستلزم التحقق من أحدث البيانات.
يوتيوب.. أكبر جامعة في العالم
لدي قناعة قديمة بأن YouTube يمثل واحدة من أكبر الجامعات المفتوحة في العالم، وربما أكثرها تنوعا من حيث المعارف والخبرات المتاحة للجميع. لكن المشكلة لم تعد في ندرة المحتوى، بل في وفرته الهائلة وصعوبة العثور على ما يستحق المشاهدة فعلا.
ولهذا أريد من همام أن يتولى مهمة البحث عن أفضل المقاطع والمحاضرات والحوارات والدروس التي تتناسب مع اهتماماتي، وأن يقارن بينها ويقيّم قيمتها المعرفية، ويرشح لي ما يستحق تخصيص الوقت له، ثم يضيف المقاطع المختارة إلى قائمة المشاهدة اللاحقة Watch Later متى أمكن ذلك من خلال التكاملات المتاحة.
أتخيل أن أجد في نهاية اليوم مجموعة منتقاة من المقاطع المفيدة، لا بناء على ما تريد خوارزميات المنصة زيادة مشاهداته، وإنما بناء على ما أريد أنا تعلمه ومعرفته ومشاهدته. وبالمنطق نفسه، يمكن أن يمتد عمل همام إلى ترشيح الكتب والأبحاث والمقالات والدورات والمواد الصوتية، ليصبح مساعدا في إدارة المعرفة والتعلم المستمر.
مساعد يفهم لغتي وبيئتي
أحد الجوانب التي أهتم بها كثيرا هو طريقة التواصل مع همام. فأنا لا أريده أن يكون مجرد تطبيق أفتحه على الكمبيوتر، بل أطمح إلى التواصل معه صوتيا أو كتابيا، حتى من خلال رقم هاتف عادي، بحيث أستطيع تكليفه بعمل أو الاستفسار عن موضوع أينما كنت.
وأريده أن يتحدث باللهجة السعودية ما أمكن، وأن يفهم التعبيرات المحلية ويستخدمها بصورة طبيعية تتناسب مع السياق. فعندما أناديه أو أطلب منه أمرا بسيطا، لا أمانع أن يجيبني: «سم» أو «أبشر طال عمرك». لكن عندما أكلفه بإعداد خطاب رسمي أو رسالة بريد إلكتروني، ينبغي أن ينتقل مباشرة إلى العربية الفصيحة الرصينة، وأن يراعي طبيعة قطاع الأعمال ومستوى المخاطب والغرض من الرسالة.
هذا التكيف اللغوي ليس مجرد إضافة لطيفة، بل جزء من تصوري لمساعد شخصي يفهم بيئتي الثقافية والاجتماعية والمهنية، ويميز بين الحديث اليومي والمراسلات الرسمية والكتابة البحثية. فالمساعد الجيد ليس الذي يتحدث بطريقة واحدة في جميع المواقف، وإنما الذي يعرف كيف يختار اللغة والأسلوب المناسبين لكل موقف.
عندما يعرف همام أين أنا
أعمل أيضا على ربط همام بموقعي الجغرافي وبالأجهزة الذكية في المنزل، بحيث يصبح قادرا على التفاعل مع بعض تفاصيل الحياة اليومية. فعندما أقترب من المنزل، يمكنه تشغيل أجهزة التكييف والإنارة وفق إعدادات محددة، وعندما أغادره يستطيع إيقافها أو تعديل وضعها لتقليل استهلاك الطاقة، مع مراعاة وجود أفراد آخرين في المنزل.
ويمكن للموقع الجغرافي، إذا استخدم بصورة آمنة وبموافقتي، أن يساعده في ترشيح المنتجات والعروض والخدمات المتاحة في المتاجر القريبة مني، أو تذكيري بأمر يمكن إنجازه أثناء وجودي في منطقة معينة. وبذلك لا يصبح المساعد مرتبطا بالشاشة وحدها، بل يتفاعل مع المكان والوقت والاحتياجات اليومية.
ولتحقيق هذا المستوى من التكامل، لا يكفي الاعتماد على نموذج لغوي مهما بلغت قدراته. فالمشروع يحتاج إلى مجموعة من المهارات المتخصصة Skills، وبروتوكولات ربط مثل MCP، وواجهات برمجة وتكاملات مع الخدمات والأجهزة، إضافة إلى منظومة واضحة لإدارة الصلاحيات وحماية المعلومات والتحقق من الإجراءات قبل تنفيذها.
همام لا يزال يتعلم
المخرجات الأولية التي توصلت إليها مشجعة إلى حد ما، لكنها تكشف أيضا أن الطريق إلى بناء مساعد شخصي موثوق أطول وأكثر تعقيدا مما قد يبدو. فالنموذج يحتاج إلى تعليم وتوجيه وتحسين مستمر، وأجد نفسي أحيانا أتعامل معه كما أتعامل مع طفل صغير أشرح له المطلوب، وأوضح له الأخطاء، وأعيد صياغة التعليمات حتى يصل إلى النتيجة التي أريدها.
وبالطبع، فإن هذا التشبيه لا يعني أن النموذج يتعلم تلقائيا من كل محادثة كما يتعلم الإنسان؛ فالتطور الذي أبحث عنه يعتمد على تحسين التعليمات، وتنظيم الذاكرة، وتوفير الأمثلة، وبناء الأدوات المناسبة، وتقييم النتائج، وربما تخصيص بعض النماذج عندما تستدعي الحاجة ذلك.
والتحدي الأكبر ليس أن ينجح همام في تنفيذ مهمة واحدة، وإنما أن يكرر النجاح بصورة مستقرة، وأن يعرف حدود قدراته، وألا يتخذ قرارات مالية أو يرسل مراسلات حساسة أو ينفذ إجراءات مؤثرة دون الصلاحية المناسبة. فالاستقلالية الحقيقية لا تعني غياب الرقابة، بل تعني تقليل الحاجة إلى التدخل البشري في الأعمال الروتينية، مع الاحتفاظ بالسيطرة على القرارات المهمة.
ما الذي أبحث عنه في النهاية؟
لا أعرف حتى الآن إلى أي مدى سأصل في هذا المشروع، ولا كم من الوقت سأحتاج للوصول إلى الصورة التي أتخيلها. وربما تتغير الأدوات والنماذج التي أستخدمها مرات عديدة خلال الطريق، لكن الفكرة الأساسية ستظل كما هي: أريد أن أبني مساعدا رقميا يعمل من أجلي، لا أن أظل أنا من يعمل طوال الوقت على توجيهه.
وأعتقد أن السنوات المقبلة ستشهد تحولا مهما في مفهوم الحوسبة الشخصية. فقد اعتدنا أن نتعلم كيف نستخدم البرامج، وننتقل بين التطبيقات، وندير الملفات، وننفذ الإجراءات بأنفسنا. أما المستقبل الذي أتصوره، فهو أن نشرح للآلة ما نريد تحقيقه، فتتولى هي استخدام الأدوات المناسبة لإنجازه، وتعود إلينا عندما تحتاج إلى قرار أو توجيه.
وربما يكون همام اليوم مجرد مشروع شخصي في مختبر منزلي، تحيط به التجارب والأخطاء والمحاولات المتكررة، لكنه بالنسبة إلي أكثر من ذلك. إنه محاولة لفهم هذا المستقبل والمشاركة في صناعته، ولو على نطاق صغير، بدلا من انتظار وصوله في صورة منتج جاهز.
ولا أقيس نجاح همام بعدد الكلمات التي يستطيع كتابتها، أو سرعة إجاباته، أو حتى قدرته على محاكاة حديث الإنسان. سأعتبره ناجحا عندما أستطيع أن أكلفه بعمل، ثم أنصرف إلى ما هو أهم، وأعود لأجد أن المهمة قد أنجزت كما ينبغي. فأنا لم أعد أريد أن أسأل الذكاء الاصطناعي عما يستطيع فعله.. أريد أن أرى ما يستطيع إنجازه.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.