لا أميل إلى التوقعات التي تصور المستقبل وكأنه عالم بلا وظائف، كما لا أجد مبررا للاطمئنان المبالغ فيه إلى أن كل شيء سيبقى على حاله. فالتغيرات التي نشهدها حقيقية، وستكون لها آثار متفاوتة على الأفراد والمؤسسات والاقتصادات. ويشير تقرير مستقبل الوظائف لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى توقع استحداث 170 مليون وظيفة واختفاء 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030، نتيجة مجموعة من التحولات الاقتصادية والتقنية والديموغرافية والبيئية، وليس الذكاء الاصطناعي وحده. وهذه الأرقام ليست حقائق مستقبلية مؤكدة، لكنها تكشف حجم التحول الذي ينبغي الاستعداد له.

وأعتقد أن الخطأ الأكثر شيوعا في تناول هذه القضية هو النظر إلى الوظيفة باعتبارها وحدة واحدة، إما أن تختفي بالكامل أو تستمر كما هي. فالوظيفة في حقيقتها مجموعة من المهام والمسؤوليات والمهارات، وقد يستطيع الذكاء الاصطناعي أداء بعضها دون أن يتمكن من تحمل مسؤولية الوظيفة كاملة. خذ مثلا المحاسب الذي يقضي جزءا من يومه في إدخال البيانات ومطابقة الفواتير وإعداد التقارير؛ يمكن أتمتة جانب كبير من هذه الأعمال، لكن تفسير النتائج المالية، وتقدير المخاطر، ومناقشة القرارات مع الإدارة تتطلب خبرة وحكما مهنيا ومساءلة بشرية. والأمر نفسه ينطبق على المحامي الذي يستطيع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مراجعة العقود والبحث القانوني، دون أن يعفيه ذلك من مسؤولية المشورة أو الترافع.

وفي مجال الإعلام والاتصال، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إعداد المسودات، وترجمة المحتوى، وتحليل التغطيات الإعلامية، ورصد اتجاهات الرأي العام، وإنتاج مواد بصرية خلال دقائق. وهي أعمال كانت تستغرق ساعات وربما أياما. لكن هل تستطيع هذه الأدوات إدارة أزمة إعلامية معقدة، وفهم الاعتبارات السياسية والثقافية والمؤسسية المحيطة بها، وتقدير توقيت التصريح أو الصمت، وتحمل تبعات القرار؟ يمكنها أن تقدم بدائل وتحليلات مفيدة، لكنها لا تتحمل المسؤولية التي يتحملها صاحب القرار. وهنا أرى أن القيمة المهنية ستنتقل تدريجيا من مجرد إنتاج المحتوى إلى القدرة على توجيهه وتقييمه وفهم أثره.

وفي المقابل، هناك مجالات سيظل الحضور الإنساني فيها أساسيا، وإن تغيرت أدوات ممارستها. فالطبيب لا يقدم تشخيصا فحسب، بل يتعامل مع إنسان يخاف ويتألم ويحتاج إلى الطمأنينة والثقة. والمعلم لا يقتصر دوره على نقل المعلومات، وإنما يكتشف قدرات طلابه ويحفزهم ويساعدهم على بناء شخصياتهم. وكذلك الممرض والأخصائي الاجتماعي والقائد الإداري والمفاوض، فهذه المهن تعتمد بدرجات متفاوتة على التعاطف والعلاقات الإنسانية والحكم الأخلاقي وفهم السياقات المعقدة. وحتى المهن الحرفية والميدانية، مثل أعمال الصيانة والتمديدات الكهربائية، ستظل بحاجة إلى مهارات عملية وقدرة على التعامل مع ظروف يصعب التنبؤ بها، وإن كانت الروبوتات ستواصل التقدم فيها.

لكنني لا أعتقد أن أي مهنة تمتلك حصانة دائمة من التطور التقني. فالتاريخ يعلمنا أن الحدود التي نعتقد أنها تفصل بين قدرات الإنسان والآلة تتغير باستمرار. ولهذا فإن السؤال الأجدى ليس أي الوظائف ستبقى، وإنما ما المهارات التي ستجعل الإنسان ذا قيمة مهما تغيرت طبيعة الوظائف؟

أرى أن البداية تكون بالتوقف عن التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة لكتابة النصوص أو الإجابة عن الأسئلة. ينبغي لكل مهني أن يفهم كيف يمكن توظيفه في صميم عمله، وأن يجرب تطبيقاته عمليا. يستطيع مدير التسويق استخدامه لتحليل شرائح العملاء واختبار الرسائل الإعلانية، والمهندس لتسريع مراجعة التصاميم واكتشاف بعض الأخطاء، والباحث لتنظيم الدراسات ومقارنة النتائج، ورائد الأعمال لبناء نماذج أولية لمنتجاته بتكاليف أقل. لكن الاستفادة الحقيقية تتطلب معرفة حدود هذه الأدوات، والتحقق من مخرجاتها، وعدم إدخال البيانات الحساسة في أنظمة غير معتمدة.

والاستراتيجية الثانية هي الاستثمار في المهارات التي يصعب اختزالها في تعليمات توجه إلى آلة، مثل التفكير النقدي والإبداع والقيادة والتفاوض والقدرة على التعامل مع الغموض. فالمؤسسات لن تحتاج فقط إلى أشخاص يعرفون كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي، بل إلى أشخاص يعرفون ماذا يطلبون منه، وكيف يميزون بين الإجابة الصحيحة والمضللة، ومتى ينبغي الاعتماد على توصياته أو رفضها. وقد أكد تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2026 أن احتياجات سوق العمل لا تقتصر على المهارات التقنية المتقدمة، بل تشمل القدرة على تحليل البيانات وحل المشكلات والإبداع والإدارة.

أما الاستراتيجية الثالثة، وربما الأهم، فهي التخلي عن الاعتقاد بأن التعليم ينتهي بالحصول على الشهادة الجامعية أو بلوغ منصب إداري. فالمعرفة المهنية التي كانت تحتفظ بقيمتها سنوات طويلة قد تصبح بحاجة إلى تحديث خلال فترات أقصر. وأرى أن على كل فرد تخصيص وقت منتظم لتعلم مهارة جديدة، وتجربة تطبيق عملي، ومراجعة طبيعة المهام التي يؤديها. ومن المفيد أن يسأل نفسه كل ستة أشهر: ما الأعمال التي أصبحت التقنية تنجزها بصورة أفضل مني؟ وما القيمة الجديدة التي أستطيع تقديمها لمؤسستي أو عملائي؟

ولا ينبغي أن نغفل مسؤولية المؤسسات عن هذا التحول. فمن السهل مطالبة الموظفين بالتكيف، لكن إعادة تأهيل القوى العاملة تحتاج إلى استثمار حقيقي في التدريب، وإعادة تصميم الوظائف، وفتح مسارات مهنية جديدة. كما أن ارتفاع الإنتاجية لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع الجميع؛ فقد تستفيد بعض المؤسسات والعاملين أكثر من غيرهم، وتتسع الفجوة بين من يمتلكون المهارات والفرص ومن يفتقرون إليها.

لا أرى أن المستقبل سيكون صراعا بسيطا بين الإنسان والآلة، وإنما إعادة توزيع مستمرة للأدوار بينهما. ستختفي بعض المهام، وتتراجع الحاجة إلى بعض الوظائف، وتظهر فرص لم تكن موجودة، وقد تصبح الخبرة الإنسانية أكثر قيمة في مجالات معينة وأقل ندرة في مجالات أخرى.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظائفنا، بل ما إذا كنا نمتلك الاستعداد لتغيير الطريقة التي نعمل ونتعلم وننتج بها. فالمستقبل المهني لن ينتظر من يتمسك بوصف وظيفته القديم، وإنما سيفتح فرصا أوسع لمن يستطيع إعادة تعريف قيمته في عالم تتغير فيه الأدوات والمهارات باستمرار.