وقد وجدت في قول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة ما يدعوني إلى تأمل هذه المسألة من زاوية أوسع: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]. وهي آية عظيمة جاءت في سياق الحديث عن الكتب السماوية والشرائع التي أنزلها الله على رسله، وما بينها من اختلاف في بعض الأحكام مع اتفاقها في أصل الدعوة إلى توحيد الله. وقد تناول المفسرون معنى الشرعة والمنهاج باعتبارهما ما شرعه الله لكل أمة من سبيل وسنة وأحكام، كما بينوا أن القرآن الكريم جاء مصدقا لما سبقه من الكتب ومهيمنا عليها.
ولست هنا بصدد الخوض في المسائل التفسيرية أو الأحكام الشرعية التي تناولها العلماء بتفصيل يستحق الرجوع إلى مظانه، وإنما استوقفني في الآية ذلك الربط بين اختلاف ما آتاه الله للأمم، والابتلاء، ثم الأمر بالمسابقة إلى الخيرات، وأخيرا التذكير بأن المرجع إلى الله سبحانه وتعالى، وأن إليه الحكم فيما كان الناس فيه يختلفون. ومن هذا السياق تنفتح أمام المتأمل مساحة للتفكير في طبيعة الاختلاف الإنساني، دون أن نحمل الآية ما لا تحتمله من المعاني، أو نجعلها دليلا على تساوي المعتقدات والمواقف في الحق والصواب.
لقد خلق الله البشر مختلفين في ألسنتهم وألوانهم وقدراتهم وطبائعهم، وجعل لكل إنسان ظروفا وتجارب تسهم في تشكيل شخصيته وطريقته في فهم العالم. فالإنسان الذي نشأ في بيئة معينة، وتلقى تعليما محددا، ومر بتجارب خاصة، لا يمكن أن ننظر إلى أحكامه وتصوراته بمعزل عن ذلك كله. وهذا لا يعني أن الحقيقة نسبية أو أن كل رأي صحيح لمجرد أن صاحبه يؤمن به، ولكنه يعني أن فهمنا للأسباب التي تدفع الناس إلى تبني آرائهم قد يكون أكثر فائدة من المسارعة إلى تصنيفهم والحكم عليهم.
ولعل من المفارقات التي تتكرر في حياتنا أننا نقر بوجود الاختلاف بوصفه حقيقة إنسانية، ثم نضيق به عندما نواجهه فعليا. نتحدث عن الحوار وأهمية الاستماع إلى الآخر، ولكننا في كثير من الأحيان لا نستمع إليه بقصد الفهم، وإنما ننتظر انتهاء حديثه حتى نبدأ في تفنيد ما قاله. وربما ندخل نقاشا ونحن مقتنعون سلفا بأن الطرف الآخر مخطئ، فلا نمنح أفكاره فرصة حقيقية للتأمل، حتى لو احتوت على جوانب تستحق النظر. ومع مرور الوقت تتحول بعض النقاشات من محاولة للوصول إلى فهم أفضل إلى منافسة لإثبات التفوق، ويصبح التراجع عن رأي سابق ضربا من الهزيمة الشخصية، مع أنه قد يكون دليلا على الشجاعة الفكرية والقدرة على مراجعة الذات.
وقد لاحظت أن كثيرا من قناعاتنا لا تتشكل بالضرورة نتيجة بحث مستقل أو تفكير عميق، وإنما نتلقاها من محيطنا الاجتماعي والثقافي، ثم نعتادها حتى تصبح جزءا من الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء. وربما لا يخطر ببالنا أن نسأل عن أصل بعضها، أو عن الأسباب التي جعلتنا نتمسك بها، خصوصا عندما تحظى بإجماع المحيطين بنا. وهنا تبدأ المشكلة حين نخلط بين القناعة التي وصلنا إليها بعد تأمل ومعرفة، والقناعة التي ورثناها بحكم الألفة والاعتياد. وليس في تلقي المعرفة والخبرة من الآخرين ما يعيب الإنسان، فهذه طبيعة التعلم البشري، ولكن الإشكال يظهر عندما تصبح الأفكار الموروثة بمنأى عن السؤال والمراجعة، ويغدو مجرد التفكير في بدائلها أمرا غير مقبول.
وإذا تأملنا تاريخ المعرفة الإنسانية وجدنا أن كثيرا من التحولات الكبرى بدأت عندما تجرأ بعض الناس على طرح أسئلة لم تكن مألوفة في زمانهم، أو أعادوا النظر في افتراضات ظل غيرهم يتعاملون معها باعتبارها حقائق نهائية. ولم يكن كل خروج على المألوف صوابا بطبيعة الحال، كما لم تكن كل قناعة سائدة خاطئة، ولكن التقدم المعرفي ظل مرتبطا بقدرة الإنسان على التمييز بين ما ثبت بالدليل وما استقر بفعل العادة، وعلى إخضاع الأفكار للفحص دون أن يكون ولاؤه لها أقوى من ولائه للحقيقة.
غير أن هذا كله لا يقتضي أن يعيش الإنسان مترددا في كل ما يؤمن به، أو أن يتعامل مع المبادئ الراسخة كما يتعامل مع الآراء الشخصية القابلة للأخذ والرد. فهناك فرق جوهري بين الثبات على المبدأ والتعصب للرأي، وبين احترام الإنسان المخالف والتسليم بصحة ما يعتقده. ويمكن للمرء أن يكون شديد الاعتزاز بدينه وقيمه وهويته، واضحا في مواقفه، راسخا في قناعاته، دون أن يتحول ذلك إلى مبرر لاحتقار الآخرين أو إساءة الظن بهم. بل لعل الثقة الحقيقية بالمبادئ تمنح صاحبها قدرا أكبر من الاتزان، فلا يشعر بأن مجرد سماع رأي مختلف يمثل تهديدا لهويته أو انتقاصا من مكانته.
وما يستوقفني أكثر في الآية الكريمة هو قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. فقد جاء الأمر بالمسابقة إلى الخير في سياق الحديث عن اختلاف الشرائع والابتلاء فيما آتاه الله للأمم، وهي دلالة جديرة بالتأمل. وقد بين المفسرون أن الاستباق إلى الخيرات يشمل المبادرة إلى طاعة الله، والاجتهاد في أداء ما أمر به من حقوقه وحقوق عباده. ومن هذا المعنى يمكن أن نستخلص درسا مهما في حياتنا، وهو أن العمل النافع ينبغي ألا يغيب خلف الانشغال الدائم بالمجادلات والخلافات التي لا تنتهي.
أتساءل أحيانا عن مقدار الوقت الذي ننفقه في محاولة إقناع الآخرين بآرائنا، وعن الأثر الذي كان يمكن أن نصنعه لو وجهنا جزءا من ذلك الجهد نحو التعلم والإنتاج والإصلاح وخدمة الناس. فكثير من الخلافات، خصوصا تلك التي تدور حول مسائل تحتمل الاجتهاد وتعدد وجهات النظر، تستنزف من العلاقات الإنسانية أكثر مما تضيف إلى المعرفة. وقد تتطور بعض المناقشات البسيطة إلى خصومات طويلة، لا لأن المسألة محل الخلاف تستحق كل ذلك، وإنما لأن كل طرف أصبح يرى في انتصار رأيه انتصارا لذاته، وفي قبوله شيئا من رأي الآخر تنازلا عن مكانته.
ولا أرى أن الحل يكمن في تجنب النقاش أو الانسحاب من كل خلاف، فالحوار ضرورة للتعلم وتصحيح الأخطاء، وبيان الحق مسؤولية لا ينبغي التفريط فيها. لكن الحكمة تقتضي أن نميز بين الحوار الذي نبحث فيه عن المعرفة، والجدال الذي لا نريد منه سوى إثبات صحة موقف اتخذناه مسبقا. كما تقتضي أن ندرك أن الناس لا يغيرون قناعاتهم بالسرعة التي نتوقعها، وأن بعض الأفكار ارتبطت في أذهان أصحابها بتجارب عميقة أو اعتبارات اجتماعية ونفسية تجعل مراجعتها أمرا يحتاج إلى وقت وصبر. وقد يكون حسن عرض الفكرة، والإنصاف في مناقشتها، والقدوة في تطبيقها، أبلغ أثرا من الإلحاح في تكرارها.
ومع تقدم الإنسان في العمر واتساع تجاربه، تتغير نظرته إلى كثير من المسائل. فقد يجد نفسه أكثر تفهما لمواقف كان يستغربها في شبابه، وأقل ميلا إلى الأحكام السريعة التي كان يصدرها بثقة مطلقة. وليس ذلك بالضرورة نتيجة تراجع في قناعاته، وإنما قد يكون ثمرة اتساع معرفته بالناس وتعقيدات الحياة. فالخبرة تعلمنا أن المواقف الإنسانية نادرا ما تكون بالبساطة التي تبدو عليها من بعيد، وأن معرفتنا بجانب واحد من القصة لا تمنحنا دائما القدرة على إصدار حكم مكتمل بشأنها.
وأعتقد أن من علامات النضج الفكري أن يتعلم الإنسان كيف يعيش مع وجود الاختلاف دون أن يشعر بأنه مطالب بحسم كل مسألة، أو تصحيح كل رأي، أو الدخول في كل نقاش. وأن يعرف متى يكون الحوار مثمرا، ومتى يصبح الاستمرار فيه عبئا لا طائل منه. والأهم من ذلك أن يمتلك القدرة على الفصل بين تقييم الأفكار وتقييم أصحابها، فلا تتحول مخالفتنا لرأي إنسان إلى حكم شامل على شخصيته أو أخلاقه أو مقاصده.
ثم تأتي خاتمة الآية الكريمة لتضع هذا كله في إطاره الأوسع: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. ففيها تذكير بأن علم الإنسان، مهما اتسع، يظل محدودا، وأن الحكم الفصل فيما اختلفت فيه الأمم إلى الله سبحانه وتعالى. ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن نتخلى عن طلب الحقيقة أو التمسك بها، وإنما أن ندرك حدود علمنا، وألا نستسلم للغرور الذي قد يصاحب شعور الإنسان بأنه يمتلك الإجابة الصحيحة عن كل شيء.
ولعل ما نحتاج إليه في علاقاتنا الإنسانية ليس مزيدا من الاتفاق بقدر ما نحتاج إلى مزيد من الإنصاف، وليس أن يتخلى الناس عن قناعاتهم، وإنما أن يتعلموا كيف يناقشونها بعقول مفتوحة ونفوس متزنة. فما أكثر الذين يجيدون الحديث عن التسامح ولا يمارسونه عند أول خلاف، وما أكثر الذين يدعون إلى حرية التفكير ثم يضيقون بأول فكرة لا توافق تصوراتهم.
لقد أصبحت أميل إلى الاعتقاد بأن قيمة الإنسان الفكرية لا تظهر في عدد النقاشات التي انتصر فيها، ولا في قدرته على إسكات مخالفيه، وإنما في صدقه مع نفسه، واستعداده للتعلم، وإنصافه لمن يختلف معهم، وقدرته على التمييز بين المبادئ التي يجب أن يتمسك بها، والآراء التي ينبغي أن تبقى قابلة للنظر والمراجعة.

التعليقات
تفضل بتسجيل تعليقك على المقال مشكورا
لا توجد تعليقات منشورة بعد.