كان الإعلان عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان من المشاهد التي توقفت أمامها طويلًا، ليس فقط لما يحمله من أبعاد سياسية وعسكرية، بل لما يمثله من صورة للسعودية التي نراها اليوم؛ دولة تعرف مكانتها، وتبني قوتها، وتوسع دائرة شراكاتها، وتتحرك بثقة متزايدة في عالم يعاد فيه تشكيل موازين القوة والمصالح.
قبل عشرة أعوام فقط كانت كثير من المشاهد التي نعيشها اليوم تبدو بعيدة عن الخيال. مدن تتغير أمام أعيننا ومشاريع تولد من الصحراء وقطاعات اقتصادية جديدة تفتح أبوابها للمواطنين والعالم. لم تعد رؤية السعودية ٢٠٣٠ مجرد وثيقة تحمل أهدافا للمستقبل بل أصبحت تحولا شاملا نراه في تفاصيل الحياة ونلمسه في الاقتصاد والمجتمع والخدمات وجودة المكان.
في الحج، لا يمشي الإنسان وحده. يمشي بدعائه، وذاكرته، ووصية أبيه، وحلمٍ قديم ظل يكبر في قلبه حتى صار إحرامًا أبيض، وخطوةً بين ملايين الخطوات نحو بيت الله الحرام.
إدارة الحج ليست مجرد قدرة تنظيمية على تحريك الملايين في زمان محدد ومكان ضيق، وخدمة ضيوف الرحمن ليست عملا موسميا يبدأ مع قدوم الحجاج وينتهي بمغادرتهم. بل هي شغف في الوجدان الشعبي والقيادي حيث يقدم معنى أعمق من الإدارة، وأوسع من التشغيل، وأبلغ من الصورة العابرة؛ إنها مسؤولية تاريخية ودينية وإنسانية، تتوارثها المملكة جيلا بعد جيل بوصفها تشريفا لا وظيفة، ورسالة لا إجراء.
ليست المدينة الجاذبة تلك التي ترفع لافتة كبيرة تقول للمستثمرين: تعالوا. فالاستثمار، في جوهره، لا ينجذب إلى النداء وحده، بل إلى المعنى الكامن خلف النداء؛ إلى مدينة تتحرك، وتنتج، وتعيش، وتمنح رأس المال سببا عقلانيا وعاطفيا للبقاء فيها.