لا أذكر متى بدأ شغفي بالأعمال الموسوعية تحديدا، لكنني أتذكر جيدا «الموسوعة العلمية الميسرة» التي قرأتها في طفولتي، وكيف كانت تفتح أمامي أبوابا لعوالم لم أكن أعرف عنها شيئا. فقد كانت الموسوعات آنذاك نافذتنا الواسعة على المعرفة، ننتقل بين صفحاتها من موضوع إلى آخر، وربما بدأنا بالبحث عن معلومة واحدة لنجد أنفسنا بعد ساعات وقد اكتشفنا عشرات الموضوعات التي لم نكن نعرف أننا نجهلها.
من الكتب التي وجدت في قراءتها متعة خاصة كتاب «سير الملوك»، المعروف أيضا باسم «سياست نامه»، للوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي. ولم يقتصر إعجابي على محتوى الكتاب، بل امتد إلى شخصية مؤلفه، حتى وجدت نفسي أبحث في سيرته ونجاحاته السياسية والإدارية، والمرحلة التاريخية الاستثنائية التي عاشها.
للأوطان أوقات تختبر فيها قوتها، وتظهر فيها معادن شعوبها، وتثبت فيها أن ما بنته على مدى عقود لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة رؤية وعزيمة وعمل. ونحن اليوم نعيش واحدة من تلك الأوقات، لا لنخشى ما يأتي، بل لندرك حجم ما نملك من أسباب القوة، ونزداد ثقة بوطننا ومستقبله.
لطالما أثار اهتمامي ذلك الفارق بين من يتولى موقعا قياديا بحكم منصبه، ومن ينجح فعلا في قيادة الآخرين والتأثير فيهم. فكثيرا ما نشاهد أشخاصا يمتلكون الصلاحيات والموارد والفرق المؤهلة، ومع ذلك يعجزون عن تحقيق النتائج، بينما يستطيع آخرون، بإمكانات أقل، بناء فرق استثنائية وتحقيق إنجازات تتجاوز التوقعات. فما الذي يصنع هذا الفارق؟ وهل القيادة موهبة فطرية، أم مهارة يمكن تعلمها وتطويرها؟
من الطريف أنني قرأت كتاب «جبلنا الجليدي يذوب» لجون كوتر وهولجر راثجيبر خلال انتظاري في طابور خدمة السيارات (Drive-through) قبل سنوات. لم أكن أتوقع أن يكون بهذه الخفة وسرعة الاستيعاب، فقد وجدت نفسي أتنقل بين صفحاته بسهولة، مستمتعا بقصة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أفكارا مهمة عن القيادة وإدارة التغيير.
بالأمس كنت أجلس مع أحد الأصدقاء الصدوقين، وانتقل بنا الحديث من موضوع إلى آخر حتى توقفنا عند سؤال بدا بسيطا في ظاهره، لكنه أخذنا إلى مساحة أعمق من التأمل: كيف يمكن للقناعات التي يحملها الإنسان أن تتحول مع الوقت إلى سجن يأسره، ويحدد له ما يستطيع فعله وما ينبغي عليه تجنبه، بل وما يسمح لنفسه بالتفكير فيه؟
يأتي الخامس والعشرون من سبتمبر كل عام بالتاريخ نفسه، لكن الإنسان لا يعود هو الإنسان نفسه. تمر سنة جديدة من العمر، ومعها تتغير أشياء كثيرة في داخلنا؛ أفكار تتبدل، وقناعات تترسخ، وأشخاص يعبرون حياتنا، وآخرون يبقون، ونجاحات نفرح بها، وإخفاقات تعلمنا أكثر مما كنا نتوقع، وأشياء كنا نظنها في يوم من الأيام شديدة الأهمية، ثم نكتشف لاحقا أنها لم تكن تستحق كل ذلك القلق.
في اليوم الوطني السادس والتسعين للمملكة العربية السعودية، لا يبدو الاحتفاء بالوطن بالنسبة لي مجرد مناسبة نستعيد فيها ذكرى التأسيس والتوحيد، ولا يوما تتزين فيه المدن بالأعلام وتزدحم فيه الشوارع بمشاعر الفرح والانتماء، بل هو فرصة للتوقف أمام سؤال أكبر بكثير من المناسبة نفسها: