منذ سنوات وأنا أتابع تطورات الذكاء الاصطناعي باهتمام وشغف، وأحرص على تجربة أدواته وتطبيقاته المختلفة، حتى أصبح جزءا من أعمالي اليومية في البحث والكتابة والتحليل وتطوير المنتجات الرقمية. لكن مع كل تقدم تحققه هذه التكنولوجيا، يزداد اقتناعي بأننا ما زلنا في بداية الطريق، وأن معظم استخداماتنا الحالية لا تتجاوز الاستفادة من قدرة الآلة على الإجابة عن الأسئلة وتنفيذ الأوامر المباشرة. وهي قدرات مدهشة بلا شك، لكنها لا تمثل بالضرورة ما أطمح إلى الوصول إليه.
في كل مرة تتعرض فيها المملكة العربية السعودية لاعتداء يستهدف أمنها واستقرارها، ندرك حجم المسؤولية التي تتحملها بلادنا في حماية أرضها ومواطنيها والمقيمين على ترابها. لكن الأمر يأخذ بعدا مختلفا عندما تمتد مخاطر الصواريخ الباليستية إلى مكة المكرمة، المدينة التي تتجه إليها قلوب المسلمين قبل وجوههم خمس مرات في اليوم، والتي تتجاوز مكانتها حدود الجغرافيا وحسابات السياسة والصراعات العسكرية.
كلما ظهرت تقنية جديدة قادرة على أداء أعمال اعتدنا أن يقوم بها البشر، عاد السؤال القديم بصيغة مختلفة: ماذا سيحدث لو لم تعد المؤسسات بحاجة إلى العدد نفسه من الموظفين؟ حدث ذلك مع الثورة الصناعية، ثم الحواسيب والإنترنت، وها نحن نواجه اليوم تحولا قد يكون أعمق من سابقاته، لأن الذكاء الاصطناعي لا ينافس الإنسان في قدرته الجسدية أو سرعة إنجاز الأعمال المتكررة فحسب، بل أصبح يشاركه في الكتابة والتحليل والتصميم والبرمجة واتخاذ بعض القرارات. وللمرة الأولى، يجد أصحاب المهن المعرفية أنفسهم أمام تقنية تستطيع إنجاز جزء معتبر مما كانوا يعدونه اختصاصا بشريا يصعب الاستغناء عنه.
عندما ظهرت ويكيبيديا مطلع عام 2001، لم يكن كثيرون يتوقعون أن تتحول تجربة موسوعية مفتوحة، يشارك في تحريرها متطوعون من مختلف أنحاء العالم، إلى واحدة من أهم المراجع المعرفية في تاريخ البشرية. كانت الفكرة ثورية في جوهرها، فالمعرفة لم تعد حكرا على المؤسسات الأكاديمية ودور النشر، وأصبح الوصول إليها متاحا للجميع. لكن بعد ربع قرن من هذا النجاح الاستثنائي، بات المشروع يواجه تساؤلات متزايدة حول حياده ومصداقيته وآليات إدارته، ومستقبله في عصر الذكاء الاصطناعي.
أحيانا لا ندرك القيمة الحقيقية للأشياء التي اعتدنا وجودها في حياتنا، حتى نشاهد الآخرين وقد حرموا منها. ولعل الأمن من أكثر هذه النعم التي نألفها حتى نكاد ننسى أنها ليست حالة طبيعية مضمونة في عالم يموج بالصراعات والأزمات. نستيقظ كل صباح، ونذهب إلى أعمالنا، ونرسل أبناءنا إلى مدارسهم، ونمضي في تفاصيل حياتنا اليومية، دون أن نفكر كثيرا في حجم الجهود التي تجعل كل ذلك ممكنا، أو في المسؤوليات التي تتحملها مؤسسات الدولة ليبقى هذا الاستقرار جزءا من حياتنا.
من أكثر الأمور التي تستوقفني في العلاقات الإنسانية ذلك الإصرار الذي يبديه بعض الناس على ضرورة أن يتفق الآخرون معهم في أفكارهم وقناعاتهم، حتى ليبدو الاختلاف في نظرهم مشكلة تستوجب المعالجة، أو خللا ينبغي تصحيحه. وقد يمتد هذا التصور إلى العلاقات الاجتماعية والمهنية والفكرية، فنجد أنفسنا أمام محاولات مستمرة لإقناع الآخرين بوجهة نظر واحدة، وكأن العالم لا يتسع إلا لتفسير واحد للأحداث، أو طريقة واحدة في التفكير، أو رؤية واحدة للحياة.
لطالما اعتقدت أن أعظم ما تقدمه التقنية للإنسان ليس قدرتها على تنفيذ العمليات المعقدة، وإنما قدرتها على جعل هذه العمليات تبدو بسيطة. فالتقدم التقني الحقيقي، في تقديري، لا يقاس فقط بسرعة المعالجات أو حجم الذاكرة أو عدد الوظائف التي يقدمها الجهاز، بل بمقدار الجهد الذي يوفره على مستخدمه. وربما كانت هذه الفكرة هي التي جعلت علاقتي بشركة أبل تستمر لما يقارب أربعة عقود، منذ أول تجربة لي مع أحد أجهزتها في معمل مدرسي، وحتى اليوم الذي أصبحت فيه محاطا بمنظومة متكاملة من منتجاتها.
يبدو أن الجميع أصبح لديهم ما يقولونه، وأن لكل شخص قصة تستحق حلقة، ولكل رأي مساحة تمتد لساعات. تتكاثر برامج البودكاست بصورة لافتة، وتتكرر الوجوه والموضوعات والأسئلة، حتى أصبح من المشروع أن نتساءل: هل نحن أمام نهضة حقيقية في صناعة المحتوى المعرفي، أم طوفان إعلامي تتزايد فيه ساعات الحديث أسرع من القيمة التي تقدمها؟
التحدي الأكبر أمام المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى اليوم ليس الوصول إلى الجمهور، فلقد أتاحت المنصات الرقمية فرصا غير مسبوقة للنشر والانتشار. لكن التحدي الحقيقي أصبح في القدرة على جذب انتباه الجمهور، ثم الاحتفاظ به وسط تدفق لا يتوقف من الأخبار والمقاطع والإعلانات والرسائل.